10/20/2026

متى يحق للمشتري فسخ العقد واسترداد الثمن؟

           

                

       

مقدمة

هل يجوز لمطور عقاري بيع أراضٍ أو وحدات عقارية قبل استكمال البنية التحتية اللازمة لتطويرها؟ وهل يحق للمشتري فسخ العقد واسترداد ما دفعه إذا تبين أن المشروع لن يكون جاهزًا في الموعد المتفق عليه؟ وهل يستطيع المطور مطالبة المشتري بباقي الثمن والفوائد الاتفاقية رغم إخلاله بالتزاماته الأساسية؟

أجابت محكمة التمييز بدبي عن هذه المسائل في حكمها الصادر في الطعنين العقاريين رقمي 440 و442 لسنة 2016، بجلسة 14 يونيو 2017، وقررت مبادئ مهمة تتعلق بالتزامات المطور العقاري، وأثر عدم استكمال البنية التحتية، وشروط فسخ عقد البيع واسترداد الثمن، وتاريخ استحقاق الفائدة القانونية.

ويكتسب الحكم أهميته من تأكيده أن التزام المطور لا يقتصر على إبرام عقد البيع، وإنما يمتد إلى تنفيذ الالتزامات الجوهرية التي تعهد بها، بما يحقق الغرض من التعاقد ويتفق مع مقتضيات حسن النية.

أولًا: التزام المطور باستكمال البنية التحتية وفقًا للعقد

استندت المحكمة إلى المادة (246) من قانون المعاملات المدنية، التي توجب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، كما استندت إلى المادة (267) بشأن القوة الملزمة للعقد وعدم جواز فسخه إلا بالتراضي أو للأسباب التي يقررها القانون.

وأكدت المحكمة أن العقد لا يقتصر على الالتزامات الواردة في عباراته صراحة، بل يشمل أيضًا ما يعد من مستلزماته وفقًا للقانون والعرف وطبيعة التصرف.

ولما كان ما تقدم، وكان الثابت من أوراق الدعوى أن عقدي البيع تضمنا التزام البائع، بصفته المطور الرئيسي، بتوفير البنية التحتية وتطويرها، فإن هذا الالتزام لا يجوز التعامل معه باعتباره أمرًا ثانويًا أو منفصلًا عن الغرض من التعاقد، متى كان استكمال البنية التحتية لازمًا لتمكين المشتري من الانتفاع بالأرض وتطويرها وفقًا لما اتفق عليه.

ومن ثم، فإن تحديد مدى إخلال المطور بالتزامه يتطلب الرجوع إلى شروط العقد، وطبيعة الأعمال التي تعهد بتنفيذها، ومدى إنجازها في المواعيد المتفق عليها أو خلال مدة معقولة تتفق مع مقتضيات حسن النية.

ثانيًا: متى يحق للمشتري فسخ العقد واسترداد الثمن؟

قررت المحكمة، استنادًا إلى المادة (272/1) من قانون المعاملات المدنية، أن لكل من المتعاقدين في العقود الملزمة للجانبين الحق في مطالبة الطرف الآخر بتنفيذ العقد أو فسخه إذا لم يوف بالتزاماته، وفقًا للشروط والأحكام القانونية ذات الصلة.

وفي القضية محل الحكم، ثبت للمحكمة من المستندات والاستعلامات العقارية أن نسبة الإنجاز في المشروع لم تتجاوز 18% وفق البيانات التي استند إليها الحكم الابتدائي، كما خلصت محكمة الموضوع، استنادًا إلى تقارير الخبرة، إلى وجود تأخير في إنجاز المشروع وعدم قدرة المطور على إنجاز ما يتناسب مع المبالغ التي سددها المشتريان، دون ثبوت أسباب قاهرة أو طارئة تبرر عدم التنفيذ.

واعتبرت المحكمة أن ذلك يشكل إخلالًا بالتزام جوهري يتمثل في إنجاز المشروع وتسليم المبيع في الموعد المتفق عليه، أو خلال موعد معقول يتفق مع مقتضيات حسن النية.

وبناءً عليه، أيدت المحكمة قضاء فسخ عقدي البيع وإلزام المطور برد المبالغ المستحقة للمشتريين وفقًا لما انتهى إليه الحكم المطعون فيه.

والقاعدة المستفادة: إذا ثبت إخلال المطور بالتزام جوهري تعاقدي، وكان هذا الإخلال يبرر الفسخ وفقًا للقانون، جاز للمشتري المطالبة بفسخ العقد واسترداد الثمن، مع مراعاة ظروف كل دعوى وشروط العقد والأدلة المقدمة فيها.

ثالثًا: هل يجوز للمطور المطالبة بباقي الثمن رغم إخلاله بالتزاماته؟

ناقش الحكم مطالبة المطور للمشتريين بباقي ثمن الأراضي والفوائد الاتفاقية، في مقابل طلب المشتريين فسخ عقدي البيع ورد المبالغ المسددة.

وانتهت المحكمة إلى رفض طعن المطور، مؤيدةً ما خلصت إليه محكمة الموضوع من ثبوت إخلاله بالتزاماته المتعلقة بالبنية التحتية، وعدم جواز مطالبته بتنفيذ التعاقد لمصلحته على النحو الذي طلبه، بعد ثبوت إخلاله هو بالتزاماته الجوهرية.

ومؤدى ذلك أن المطور لا يستطيع أن يتجاهل إخلاله بالتزاماته التعاقدية ويطالب الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته المقابلة دون بحث أثر ذلك الإخلال في ضوء العقد والقانون.

ومع ذلك، لا يعني الحكم أن كل تأخير في أعمال البنية التحتية يؤدي تلقائيًا إلى سقوط حق المطور في المطالبة بباقي الثمن؛ بل يتعين إثبات الإخلال، وتحديد الالتزامات التي تقع على عاتق كل طرف، وبيان أثر المخالفة في طلبات الخصوم.

رابعًا: مسؤولية المطور الرئيسي لا تعفي المطور الفرعي من التزاماته تجاه المشترين

من المبادئ المهمة التي أوردها الحكم أن إخلال المطور الرئيسي بالتزاماته لا يؤثر بذاته في التزامات المطور الفرعي تجاه المشترين الذين اشتروا منه وحدات عقارية.

وقد أوضحت المحكمة أن تحميل المطور الرئيسي مسؤولية عدم استكمال البنية التحتية لا يعفي المطور الفرعي تلقائيًا من التزاماته تجاه المشترين النهائيين، إذ تظل العلاقة بين المطور الفرعي ومشتري وحداته خاضعة للعقود المبرمة بينهم والالتزامات المترتبة عليها.

ويبرز هذا المبدأ أهمية التمييز بين العلاقات التعاقدية المختلفة داخل المشروع العقاري؛ فالعلاقة بين مالك الأرض أو المطور الرئيسي والمطور الفرعي ليست هي ذاتها العلاقة بين المطور الفرعي والمشتري النهائي.

وبالتالي، فإن وجود إخلال من المطور الرئيسي لا يكفي وحده لتبرير إخلال المطور الفرعي بالتزاماته تجاه عملائه، بل يجب بحث كل علاقة تعاقدية على حدة.

خامسًا: سلطة المحكمة في تقدير الإخلال وأسباب الفسخ

أكدت محكمة التمييز أن تقدير كفاية أسباب الفسخ، وإثبات التقصير أو نفيه، وفهم واقع الدعوى، وتفسير العقود والشروط المختلف عليها، من المسائل التي تدخل في سلطة محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق.
وفي النزاع محل الحكم، اطمأنت محكمة الموضوع إلى تقارير الخبرة والمستندات المقدمة، واستخلصت منها إخلال المطور بالتزاماته المتعلقة بالبنية التحتية، ورأت أن ذلك يكفي لتبرير الفسخ.
ولما كان هذا الاستخلاص سائغًا وله أصله الثابت بالأوراق، فقد رفضت محكمة التمييز ما أثاره المطور من منازعة في تقدير الوقائع والأدلة.
وهذا يؤكد أهمية إعداد ملف الدعوى على نحو متكامل، يشمل عقد البيع، والجدول الزمني للمشروع، والمستندات الصادرة عن الجهات المختصة، وتقارير الخبرة، وما يثبت أثر التأخير في إمكانية البناء أو الانتفاع بالمبيع.

سادسًا: من أي تاريخ تُحسب الفائدة على المبالغ الواجب ردها بعد فسخ العقد؟

تناول الحكم مسألة أخرى مهمة تتعلق بتاريخ استحقاق الفائدة على المبالغ التي يلتزم المطور بردها بعد فسخ عقد البيع.

وقد تمسك المشتريان بأن الفائدة يجب أن تحتسب من تاريخ قبض المطور للمبالغ، على أساس أن قبضها أصبح غير مستحق بعد فسخ العقد.

إلا أن المحكمة رفضت هذا النعي، وميزت بين قبض المبلغ بغير حق منذ البداية، وبين قبضه بحق أثناء قيام عقد صحيح ونافذ، ثم نشوء الحق في استرداده لاحقًا نتيجة فسخ العقد.

واستندت المحكمة إلى المادة (324) من قانون المعاملات المدنية، المتعلقة برد ما قُبض بغير حق، وقررت أن العبرة في تطبيقها تكون بحالة القبض وقت حصوله. فإذا كان القبض مستحقًا وقت وقوعه، فلا تطبق أحكام رد غير المستحق لمجرد أن الحق في استرداد المبلغ نشأ لاحقًا نتيجة فسخ العقد.

وأوضحت المحكمة أن المشتري الذي دفع الثمن تنفيذًا لعقد بيع صحيح ونافذ كان يؤدي التزامًا مستحقًا عليه وقت الدفع، وأن التزام البائع برد الثمن ينشأ باعتباره أثرًا قانونيًا للفسخ وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد.

ولذلك، طبقت المحكمة القواعد العامة المتعلقة بالفائدة، وأيدت احتسابها من تاريخ المطالبة القضائية، وفقًا لما انتهى إليه الحكم المطعون فيه، لا من تاريخ قبض المطور للثمن.

والقاعدة المهمة هنا: ليس كل مبلغ يُحكم برده بعد فسخ العقد يُعد مبلغًا مقبوضًا بغير حق منذ البداية؛ بل يجب تحديد ما إذا كان القبض مستحقًا وقت حصوله، لأن ذلك يؤثر في الأساس القانوني لتحديد تاريخ استحقاق الفائدة.

سابعًا: كيف يستفيد المشتري من هذا الحكم في دعواه ضد المطور؟

يمكن للمشتري الاستفادة من المبادئ الواردة في الحكم عند إقامة دعوى فسخ عقد البيع واسترداد الثمن، من خلال التركيز على العناصر التالية:

  1. إثبات الالتزام التعاقدي: تحديد الالتزامات التي تعهد المطور بتنفيذها، ولا سيما ما يتعلق بالبنية التحتية والإنجاز والتسليم.

  2. إثبات الإخلال: تقديم ما يثبت التأخير أو عدم تنفيذ الالتزامات، مثل الاستعلامات العقارية والمراسلات والمستندات الفنية وتقارير الخبرة.

  3. بيان جوهرية المخالفة: توضيح أثر الإخلال في الغرض من التعاقد، ومدى تأثيره في إمكانية البناء أو الانتفاع بالمبيع.

  4. تأسيس طلب الفسخ: الاستناد إلى الأحكام القانونية المنظمة لتنفيذ العقود وفسخها عند إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته.

  5. تحديد المبالغ المطالب بردها والفائدة: بيان المبالغ المسددة وأساس استردادها، وتحديد تاريخ بدء الفائدة وفقًا لطبيعة المطالبة والقواعد القانونية المنطبقة.

ويظل قبول طلب الفسخ واسترداد الثمن مرتبطًا بوقائع كل دعوى وشروط العقد ومدى ثبوت الإخلال، ولا يكفي مجرد الاستشهاد بالحكم دون بيان أوجه انطباق مبدئه على النزاع المعروض.

خاتمة

يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي الصادر في الطعنين العقاريين رقمي 440 و442 لسنة 2016 أن الالتزامات التعاقدية للمطور العقاري يجب أن تنفذ وفقًا للعقد ومقتضيات حسن النية، وأن الإخلال بالتزام جوهري قد يبرر فسخ البيع واسترداد الثمن، كما قد يمنع المطور من الحصول على تنفيذ العقد لمصلحته دون مراعاة إخلاله المقابل.

كما يوضح الحكم أن الفائدة على الثمن الواجب رده بعد الفسخ لا تُحتسب بالضرورة من تاريخ قبضه، متى كان القبض مستحقًا وقت حصوله، بل تخضع للقواعد القانونية التي تحكم رد الثمن بعد الفسخ.

وبذلك يقدم الحكم أساسًا مهمًا لفهم حقوق مشتري العقار والتزامات المطور في منازعات التأخير وعدم استكمال البنية التحتية، مع ضرورة دراسة كل عقد وملف دعوى على حدة لتحديد الأثر القانوني الصحيح.

رهن المشروع العقاري في دبي دون إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان: متى يفقد الرهن آثاره القانونية ؟؟؟؟

 



مبدأ قضائي للهيئة العامة لمحكمة التمييز بدبي: عدم إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص بالمشروع يجعل عقد الرهن كأن لم يكن، ويحول القرض إلى دين شخصي على المطور.

مقدمة

أرست الهيئة العامة لمحكمة التمييز بدبي مبدأً قضائيًا مهمًا بشأن تمويل المشروعات العقارية ورهنها ضمانًا للقروض، مؤكدةً أن مجرد تسجيل الرهن على المشروع العقاري لا يكفي وحده لترتيب آثاره القانونية، إذا كان القرض مخصصًا لتمويل المشروع ولم يُودع مبلغه في حساب الضمان الخاص به وفقًا لما أوجبه القانون.

وقد صدر هذا المبدأ في القضية رقم 586 لسنة 2024 – قرارات الهيئة العامة – تمييز، بجلسة 1 أكتوبر 2024، بشأن تفسير وتطبيق المادة (13) من القانون رقم (8) لسنة 2007 بشأن حسابات ضمان التطوير العقاري في إمارة دبي.

وتكمن أهمية هذا المبدأ في تحديد الأثر القانوني لعدم إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان، ومدى جواز تنفيذ الجهة الممولة على الرهن المسجل على المشروع في هذه الحالة.

أولًا: الإطار القانوني لتمويل المشروعات العقارية

أوجبت المادة (13) من القانون رقم (8) لسنة 2007 بشأن حسابات ضمان التطوير العقاري في إمارة دبي، أنه إذا قام المطور برهن المشروع للحصول على قرض من إحدى مؤسسات أو شركات التمويل، وجب على هذه الجهات إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان، للتصرف فيه وفقًا لأحكام القانون.

كما نظمت المادة (7) من القانون ذاته إنشاء حساب الضمان بموجب اتفاقية مكتوبة بين المطور وأمين الحساب، تودع بموجبها المبالغ المدفوعة من المشترين لوحدات على الخارطة أو من الممولين في حساب خاص يُفتح باسم المشروع العقاري.

ويُستفاد من هذين النصين أن إيداع مبلغ التمويل في حساب الضمان ليس مجرد إجراء مصرفي أو ترتيب إداري، وإنما التزام قانوني يرتبط بالغرض الذي خُصص القرض من أجله، وهو تمويل المشروع العقاري وتمكين المطور من إنجازه.

ثانيًا: هل يكفي تسجيل الرهن لدى دائرة الأراضي والأملاك لضمان صحته؟

لا يكفي تسجيل الرهن، وفقًا للمبدأ الذي قررته الهيئة العامة، إذا كان القرض مخصصًا لتمويل المشروع العقاري ولم يُودع مبلغه في حساب الضمان الخاص به.

فقد أشارت الهيئة إلى أحكام القانون رقم (14) لسنة 2008 بشأن الرهن التأميني في إمارة دبي، التي تجيز رهن العقارات المسجلة في السجل العقاري أو السجل العقاري المبدئي، مع اشتراط تسجيل الرهن لدى دائرة الأراضي والأملاك، وإلا كان باطلًا.

غير أن استيفاء متطلبات تسجيل الرهن لا يغني عن الالتزام الإضافي الذي فرضته المادة (13) من قانون حسابات ضمان التطوير العقاري؛ إذ اعتبرت الهيئة أن إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص بالمشروع يمثل شرطًا قانونيًا لازمًا لقيام الرهن المبرم ضمانًا لذلك القرض.

وبالتالي، فإن تسجيل الرهن لا يمنح الجهة الممولة حق التنفيذ عليه متى تخلف الشرط القانوني المتعلق بإيداع مبلغ التمويل في حساب الضمان.

ثالثًا: المبدأ القضائي الحاسم – الرهن معلق على شرط واقف

استندت الهيئة العامة في تفسيرها إلى القواعد المتعلقة بالشرط الواردة في المادتين (420) و(425) من قانون المعاملات المدنية، وقررت أن المشرع أضاف شرطًا قانونيًا لقيام عقد الرهن المبرم بين المطور والجهة الممولة، متى كان القرض مخصصًا لتمويل المشروع العقاري ولصالحه.

ويتمثل هذا الشرط في إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص بالمشروع.

وبناءً عليه، اعتبرت الهيئة أن عقد الرهن يكون معلقًا على شرط واقف، هو إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان. فإذا لم يتحقق هذا الشرط، فقد الرهن أحد شروط وجوده، وانتهى إلى فقدان آثاره القانونية، فلا يجوز تنفيذه.

وهنا تتجلى أهمية المبدأ؛ إذ لا يتعلق الأمر بمجرد مخالفة إجرائية يمكن تجاوزها، وإنما بتخلف شرط قانوني اعتبرته الهيئة لازمًا لقيام الرهن ذاته.

رابعًا: ما أثر عدم إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان؟

حسمت الهيئة العامة المسألة بوضوح، وقررت أن عقد رهن المشروع العقاري يعتبر كأن لم يكن إذا لم يُودع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص بالمشروع، ويكون فاقدًا لآثاره القانونية، ولا يجوز تنفيذه.

وأضافت أن القرض في هذه الحالة يُعد دينًا شخصيًا على المطور.

ومؤدى ذلك أن الجهة الممولة لا يجوز لها الاستناد إلى الرهن المذكور لتنفيذ حقها على المشروع العقاري، إذا ثبت أن القرض المخصص لتمويل المشروع لم يُودع في حساب الضمان وفقًا لما يوجبه القانون.

ولا يعني ذلك، بحسب المبدأ الوارد في القرار، انقضاء أصل الدين أو إعفاء المطور من الالتزام برد القرض؛ وإنما يعني فقدان الرهن آثاره وعدم جواز تنفيذه، مع بقاء القرض دينًا شخصيًا على المطور، وفقًا لما قررته الهيئة.

خامسًا: الأهمية العملية للمبدأ أمام محاكم التنفيذ

يترتب على هذا المبدأ أهمية عملية في المنازعات التي تتعلق بتنفيذ الرهون العقارية المرتبطة بتمويل مشروعات التطوير العقاري.

فإذا طلبت الجهة الممولة التنفيذ على المشروع استنادًا إلى عقد رهن مسجل، وكان القرض مخصصًا لتمويل المشروع، فإن التحقق من إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص به يصبح مسألة جوهرية.

ومن ثم، فإن المستندات المتعلقة بتحويل مبلغ القرض، وكشوف حساب الضمان، واتفاقية الحساب، ومستندات التمويل والرهن، قد تكون حاسمة في إثبات تحقق الشرط القانوني أو تخلفه.

ويمكن، في ضوء هذا المبدأ، التمسك أمام الجهة القضائية المختصة بعدم جواز التنفيذ على الرهن إذا ثبت عدم إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان، مع طلب ترتيب الأثر القانوني الذي قررته الهيئة العامة.

ومع ذلك، يتعين التمييز بين القرض المخصص لتمويل المشروع العقاري والخاضع لحكم المادة (13)، وبين صور التمويل الأخرى التي قد تختلف في طبيعتها وأحكامها؛ إذ يتحدد نطاق تطبيق المبدأ بحسب حقيقة التمويل والغرض منه والوقائع والمستندات المعروضة.

سادسًا: لماذا يُعد هذا المبدأ مهمًا للمطورين والجهات الممولة؟

تتجلى أهمية القرار في عدة جوانب:

  1. بالنسبة إلى المطور العقاري: يتيح التحقق من مدى استيفاء الجهة الممولة للالتزام القانوني بإيداع مبلغ القرض في حساب الضمان، قبل قبول التنفيذ على المشروع استنادًا إلى الرهن.

  2. بالنسبة إلى البنوك وشركات التمويل: يؤكد ضرورة الالتزام بأحكام المادة (13)، وعدم الاكتفاء بتسجيل الرهن دون استكمال متطلبات تمويل المشروع وفقًا للقانون.

  3. بالنسبة إلى المنازعات التنفيذية: يجعل إثبات مسار مبلغ القرض ومكان إيداعه عنصرًا جوهريًا في بحث مدى جواز التنفيذ على الرهن.

  4. بالنسبة إلى الممارسة القانونية: يوفر المبدأ أساسًا قضائيًا مهمًا لفحص عقود التمويل والرهن المرتبطة بالمشروعات العقارية، وتحديد ما إذا كان الرهن قد استوفى الشرط القانوني اللازم لقيام آثاره.

الخلاصة

أكدت الهيئة العامة لمحكمة التمييز بدبي في القضية رقم 586 لسنة 2024، الصادر قرارها بجلسة 1 أكتوبر 2024، أن إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص بالمشروع العقاري ليس أمرًا اختياريًا متروكًا لاتفاق المطور والجهة الممولة، متى كان القرض مخصصًا لتمويل المشروع وخاضعًا للمادة (13) من القانون رقم (8) لسنة 2007.

وقررت الهيئة أن عدم إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان يؤدي إلى اعتبار عقد الرهن كأن لم يكن، وفقدانه آثاره القانونية، وعدم جواز تنفيذه، مع اعتبار القرض دينًا شخصيًا على المطور.

والقاعدة العملية المستفادة من القرار هي أن تسجيل الرهن وحده لا يكفي؛ بل يجب التحقق من إيداع مبلغ القرض في حساب الضمان الخاص بالمشروع، متى كان ذلك شرطًا قانونيًا لازمًا لقيام الرهن.

هل يجوز الحجز على حساب الضمان العقاري في دبي؟ مبدأ حاسم للهيئة العامة لمحكمة التمييز

 



مقدمة

تُعد حسابات ضمان التطوير العقاري من أهم الضمانات القانونية التي قررها المشرّع في إمارة دبي لحماية أموال مشتري الوحدات العقارية المباعة على الخارطة، وضمان تخصيص الأموال المحصلة منهم لتمويل إنشاء المشروع العقاري واستكمال تنفيذه، بدلًا من استخدامها في سداد ديون المطور العقاري الأخرى.

وقد يثور التساؤل عندما يكون المطور العقاري مدينًا للغير بمبالغ مالية ثابتة بموجب عقد أو حكم قضائي: هل يجوز للدائن توقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي على الحساب المصرفي الذي تودع فيه أموال المشروع؟ وهل يختلف الأمر إذا كان الدين ثابتًا بحكم قضائي نهائي، أو كان طالب الحجز من الممولين للمشروع ذاته؟

حسمت الهيئة العامة لمحكمة تمييز دبي هذه المسألة في قرارها الصادر في القضية رقم 10 لسنة 2024 – قرارات الهيئة العامة – التمييز، بجلسة 1 أكتوبر 2024، وقررت عدم جواز الحجز على الأموال المودعة في حساب ضمان المشروع العقاري لصالح دائني المطور، بصرف النظر عن نوع الدين أو سنده، حتى لو كان سند الحجز حكمًا قضائيًا.

أولًا: الأساس القانوني لحماية حساب الضمان العقاري

استندت الهيئة العامة إلى المادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007 بشأن حسابات ضمان التطوير العقاري في إمارة دبي، والتي تقرر أن حساب الضمان يُفتح باسم المشروع ويُخصص حصريًا لأغراض إنشائه، ولا يجوز الحجز على المبالغ المودعة فيه لصالح دائني المطور.

كما توجب المادة ذاتها فتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع إذا كان المطور ينفذ عدة مشروعات عقارية.

وتقوم هذه الحماية على غاية تشريعية واضحة؛ فالأموال المودعة في حساب الضمان ليست أموالًا متاحة للمطور ليتصرف فيها كيفما يشاء، وإنما أموال مخصصة لغرض محدد هو إنشاء المشروع العقاري، بما يحفظ حقوق المشترين ويحد من استخدام أموال مشروع في سداد التزامات لا تتصل به.

وقد أوضحت الهيئة أن المبالغ التي تُحصّل من المشترين لقاء وحدات مباعة على الخارطة، أو من ممولي المشروع، تُودع في حساب الضمان المخصص للمشروع، ولا تُصرف للمطور إلا وفقًا لمراحل الإنجاز المحددة في عقد البيع، وطبقًا للضوابط القانونية المنظمة للصرف.

وبذلك، فإن الحظر على الحجز ليس مجرد إجراء مصرفي أو قيد تعاقدي، بل حماية قررها القانون لضمان توجيه الأموال إلى الغرض الذي جُمعت من أجله.

ثانيًا: المبدأ القضائي الذي قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز

قررت الهيئة العامة أنه لا يجوز توقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي، لصالح دائني المطور، على الأموال المودعة في حساب ضمان المشروع العقاري، أيًا كان نوع الدين أو السند الذي يستند إليه طالب الحجز، ولو كان الدين ثابتًا بحكم قضائي.

ولم تقصر الهيئة هذا الحظر على الدائنين العاديين، بل أوضحت أنه يسري حتى لو كان طالب الحجز من المودعين أو الممولين للمشروع، وفقًا لما ورد في القرار.

كما أكدت أن الحماية لا تزول لمجرد تغيير اسم الحساب المصرفي، متى كانت الأموال، في حقيقتها، من الأموال المودعة وفقًا للمادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007.

ومؤدى ذلك أن العبرة ليست بالاسم الذي يحمله الحساب وحده، وإنما بحقيقة الأموال ومصدرها وطبيعة تخصيصها للمشروع العقاري.

وهذا هو جوهر المبدأ: لا يجوز استخدام الحجز على حساب الضمان وسيلةً لاستيفاء دين على المطور من أموال خصصها القانون لإنشاء المشروع العقاري.

ثالثًا: هل يجوز الحجز إذا كان الدين ثابتًا بحكم قضائي نهائي؟

من أبرز جوانب القرار أنه لم يستثنِ الديون الثابتة بأحكام قضائية من نطاق الحظر.

فقد أكدت الهيئة العامة أن عدم جواز الحجز يشمل الحجز التحفظي والحجز التنفيذي، بصرف النظر عن نوع الدين الذي يرغب الدائن في استيفائه أو السند الذي يستند إليه، حتى لو كان حكمًا قضائيًا.

ويعني ذلك أن صدور حكم قضائي بإلزام المطور بسداد مبلغ مالي لا يكفي، بذاته، لتبرير الحجز على الأموال المحمية في حساب ضمان المشروع.

فالحكم القضائي يثبت حق الدائن في مواجهة المدين وفقًا لمنطوقه وأسبابه الملزمة، لكنه لا يلغي القيود القانونية المفروضة على الأموال التي لا يجوز الحجز عليها.

ومن ثم، يجب التمييز بين ثبوت الدين في ذمة المطور وبين جواز التنفيذ على مال معين؛ فقد يكون الدين ثابتًا ومستحق الأداء، ومع ذلك لا يجوز استيفاؤه من أموال يحظر القانون الحجز عليها.

وهذه التفرقة ذات أهمية عملية بالغة في ملفات التنفيذ، إذ لا يكفي تقديم السند التنفيذي وحده دون التحقق من الطبيعة القانونية للأموال المطلوب الحجز عليها.

رابعًا: هل يختلف الحكم إذا كان طالب الحجز من ممولي المشروع؟

لم تجعل الهيئة العامة صفة طالب الحجز، باعتباره ممولًا للمشروع أو من المودعين فيه، سببًا لاستبعاد الحظر المقرر بالمادة (9).

فقد قررت أن الحجز لا يجوز لصالح دائني المطور على الأموال المودعة في حساب الضمان، ولو كان طالب الحجز من المودعين أو الممولين للمشروع، وبصرف النظر عن نوع الدين أو سنده.

ويؤكد ذلك أن المعيار الذي اعتمدته الهيئة يتعلق بحماية الأموال المخصصة للمشروع، وليس بمجرد طبيعة العلاقة بين طالب الحجز والمطور.

ومع ذلك، ينبغي عند تطبيق هذا المبدأ على أي نزاع التحقق من حقيقة الحساب ومصدر الأموال وطبيعة الحق المطالب به؛ فالقرار يتعلق بالأموال التي تدخل في نطاق الحماية القانونية المقررة لحساب الضمان، ولا يصح تعميمه على كل حساب مصرفي يملكه المطور دون التحقق من هذه العناصر.

خامسًا: أثر تغيير اسم الحساب المصرفي

من المسائل المهمة التي تناولها القرار أن تغيير مسمى الحساب لا يؤدي، في حد ذاته، إلى زوال الحماية القانونية.

فإذا كانت الأموال قد أودعت في الأصل وفقًا للمادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007، فإن الحظر يظل قائمًا متى ثبتت طبيعتها القانونية، ولو تغير اسم الحساب المصرفي الذي أودعت فيه.

ويحول هذا المبدأ دون الالتفاف على الحماية المقررة لحساب الضمان بمجرد تغيير التسمية المصرفية، ويؤكد أن العبرة بحقيقة الأموال ومصدرها وتخصيصها، لا بالمسمى الشكلي للحساب وحده.

وعمليًا، قد يتطلب إثبات ذلك مراجعة مستندات الحساب، ومصدر التحويلات، والبيانات المتعلقة بالمشروع، وما يثبت خضوع الأموال لنظام حساب الضمان.

سادسًا: ما واجب قاضي التنفيذ عند طلب الحجز على حساب مصرفي للمطور؟

أوضحت الهيئة العامة أن قاضي التنفيذ، عند عرض طلب الحجز عليه، يتعين عليه التحقق مما إذا كانت الأموال المودعة في الحساب المطلوب الحجز عليه من الأموال المحصلة من المشترين لوحدات مباعة على الخارطة أو من ممولي المشروع، وذلك بصرف النظر عن اسم الحساب الذي أودعت فيه.

فإذا ثبت أن الأموال تدخل في نطاق الحماية المقررة للمادة (9)، وجب رفض إصدار أمر الحجز عليها.

ويترتب على ذلك أن بحث مشروعية الحجز لا ينبغي أن يتوقف عند وجود سند تنفيذي أو ثبوت مديونية المطور، بل يجب أن يمتد إلى التحقق من طبيعة المال محل التنفيذ ومدى جواز الحجز عليه قانونًا.

وبالتالي، إذا صدر أمر بالحجز على أموال محمية بالمادة (9)، فإن القرار يقرر أن هذا الحجز يكون باطلًا.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في المنازعات التنفيذية التي يكون فيها الدائن حاصلًا على حكم قضائي، بينما يتمسك المطور بأن الأموال المحجوزة مخصصة لحساب ضمان مشروع عقاري.

سابعًا: كيف يمكن الاستفادة من القرار في المنازعات التنفيذية؟

يمكن الاستناد إلى هذا القرار عند منازعة إجراءات الحجز على حساب ضمان مشروع عقاري، مع ضرورة تقديم ما يثبت أن الحساب والأموال محل الحجز تدخل بالفعل في نطاق الحماية القانونية.

ومن الناحية العملية، ينبغي التركيز على العناصر الآتية:

  1. تحديد الحساب محل الحجز: بيان الحساب المصرفي الذي وقع عليه الحجز، وبيانات المشروع المرتبط به.

  2. إثبات طبيعة الأموال: تقديم ما يتوافر من مستندات تثبت أن المبالغ المودعة ناتجة عن دفعات المشترين أو تمويل المشروع، وأنها خاضعة لنظام حساب الضمان.

  3. الاستناد إلى المادة (9): التمسك بالحظر القانوني على الحجز لصالح دائني المطور.

  4. الاستناد إلى قرار الهيئة العامة: إبراز أن الحظر يشمل الحجز التحفظي والتنفيذي، حتى لو كان الدين ثابتًا بحكم قضائي.

  5. طلب الأثر القانوني المناسب: طلب رفض الحجز إذا كان الطلب لا يزال منظورًا، أو اتخاذ الإجراء القانوني المناسب للطعن على الحجز القائم، وفقًا لمرحلة التنفيذ وظروف الملف.

ويجب أن يُبنى الطلب على مستندات تثبت الطبيعة القانونية للأموال؛ إذ لا يكفي مجرد القول إن الحساب مرتبط بمشروع عقاري دون إثبات أنه حساب ضمان أو أن المبالغ محل الحجز تدخل ضمن الأموال التي يحميها القانون.

ثامنًا: ما حدود المبدأ الذي قررته الهيئة العامة؟

على الرغم من وضوح الحظر الذي قررته الهيئة العامة، فإن تطبيقه يتطلب التحقق من انطباق المادة (9) على الحساب والأموال محل النزاع.

فالقرار لا يقرر حصانة مطلقة لكل حساب مصرفي يخص المطور العقاري، وإنما يحظر الحجز على المبالغ التي تدخل في نطاق حساب الضمان وفقًا للقانون، والمخصصة حصريًا لأغراض إنشاء المشروع العقاري.

ولذلك، فإن الفصل في أي طلب حجز يستلزم التحقق من مصدر الأموال وطبيعة الحساب وارتباطه بالمشروع، بدلًا من الاكتفاء باسم صاحب الحساب أو صفته كمطور عقاري.

كما أن القرار يتناول تحديدًا الحجز لصالح دائني المطور على الأموال المشمولة بالحماية القانونية، ولا ينبغي توسيع نطاقه إلى مسائل أخرى لم يتناولها دون الرجوع إلى النصوص القانونية ذات الصلة.

الخلاصة

حسمت الهيئة العامة لمحكمة تمييز دبي، في قرارها الصادر بتاريخ 1 أكتوبر 2024 في القضية رقم 10 لسنة 2024 – قرارات الهيئة العامة – التمييز، مسألة الحجز على حسابات ضمان التطوير العقاري، وقررت عدم جواز توقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي لصالح دائني المطور على الأموال المودعة في حساب ضمان المشروع العقاري، بصرف النظر عن نوع الدين أو سنده، ولو كان حكمًا قضائيًا.

وأكد القرار أن الحماية القانونية تتعلق بحقيقة الأموال وتخصيصها للمشروع، وأن تغيير اسم الحساب لا يزيل هذه الحماية متى ثبت أن الأموال أودعت وفقًا للمادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007.

ويشكل هذا المبدأ سندًا مهمًا في المنازعات التنفيذية المتعلقة بمشروعات البيع على الخارطة، ويؤكد ضرورة التحقق من مشروعية الحجز على المال محل التنفيذ، وعدم الخلط بين ثبوت الدين وجواز التنفيذ على أموال يحظر القانون الحجز عليها.

فسخ عقد البيع على الخارطة في دبي: رأي الهيئة العامة لمحكمة التمييز بشأن حقوق المطور والمشتري وإجراءات الفسخ

 

 

مقدمة

تثير منازعات بيع العقارات على الخارطة في إمارة دبي العديد من المسائل القانونية، وفي مقدمتها مدى أحقية المطور العقاري في فسخ عقد البيع بإرادته المنفردة عند إخلال المشتري بالتزاماته، والإجراءات الواجب اتباعها قبل ترتيب آثار الفسخ، وحدود المبالغ التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها من الثمن المدفوع.

وتزداد أهمية هذه المسائل عندما يتمسك المطور بإخلال المشتري بسداد الأقساط، بينما ينازع المشتري في صحة إجراءات الإخطار أو في ثبوت الإخلال من الأساس، أو يتمسك بأن المطور نفسه لم ينفذ التزاماته التعاقدية.

وفي هذا الإطار، صدر رأي الهيئة العامة لمحكمة تمييز دبي في القضية رقم 7 لسنة 2024 – قرارات الهيئة العامة – التمييز، بجلسة 13 مارس 2024، بشأن تفسير وتطبيق المادة 11 من القانون رقم 19 لسنة 2020، المعدِّل لبعض أحكام القانون رقم 13 لسنة 2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي في إمارة دبي.

وقد تناول الرأي نطاق تطبيق التشريع المنظم للبيع على الخارطة، والإجراءات التي يتعين على المطور اتباعها، وحق المشتري في منازعة الفسخ، والحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى القضاء، فضلًا عن الضمانات المتعلقة بالمشترين المتوفين أو فاقدي الأهلية أو ناقصيها.

أولًا: متى تسري أحكام قانون البيع على الخارطة؟

قررت الهيئة العامة أن الأصل هو سريان القانون رقم 13 لسنة 2008 وتعديلاته على وقائع التصرفات العقارية على الخارطة، ومنها البيع، سواء تم تسجيل التصرف في السجل العقاري المبدئي أم لم يتم تسجيله، مع مراعاة الحالات والاستثناءات التي بيّنها الرأي.

وحدد الرأي حالتين لا يسري فيهما القانون على النزاع باعتباره متعلقًا بوحدة مبيعة على الخارطة لم يسبق تسجيلها في السجل العقاري المبدئي:

الحالة الأولى: اكتمال الوحدة قبل بدء النزاع القضائي.

إذا تم إنجاز الوحدة العقارية محل النزاع قبل إقامة الدعوى، فإن النزاع يتعلق بوحدة مكتملة الإنشاء، ولا يُعد، وفقًا لما قررته الهيئة، نزاعًا على وحدة عقارية ما زالت على الخارطة.

الحالة الثانية: تسجيل الوحدة في السجل العقاري النهائي أثناء مراحل التقاضي.

أوضح الرأي أن تسجيل الوحدة المتنازع عليها في السجل العقاري النهائي في أي مرحلة من مراحل التقاضي يدخل ضمن الحالات التي تؤثر في تحديد القانون الواجب التطبيق، وفقًا للتفصيل الوارد في الرأي.

كما أوضح أن أحكام القانون قد تسري رغم عدم صدور شهادة التسجيل المبدئي إذا كان المطور، ولو كان بائعًا ثانيًا، قد قدم طلب التسجيل إلى دائرة الأراضي والأملاك مصحوبًا بالمستندات اللازمة، وعلى الأخص عقد البيع المبرم مع المشتري، ولم تصدر الدائرة شهادة التسجيل لسبب لا يرجع إلى مقدم الطلب، حتى لو أقيمت الدعوى بعد اكتمال الوحدة.

وأكدت الهيئة أن العبرة في تحديد القانون الواجب التطبيق تكون بحقيقة التصرف وواقعه، لا بمجرد الألفاظ المستخدمة في المستندات أو مسميات الشهادات الصادرة عن الدائرة إذا خالفت حقيقة الواقع.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في أن تحديد طبيعة النزاع والقانون الذي يحكمه لا يتوقف على الوصف الذي يضعه أحد الخصوم، وإنما يستلزم فحص حقيقة التصرف العقاري وحالة الوحدة وإجراءات تسجيلها.

ثانيًا: هل يجوز للمطور فسخ عقد البيع على الخارطة بإرادته المنفردة؟

قررت الهيئة العامة أن للمطور، إذا أخل المشتري بالتزاماته التعاقدية، وعلى الأخص عدم سداد الثمن، أن يسلك الإجراءات التي قررها القانون رقم 13 لسنة 2008 وتعديلاته، وأن يتمسك بالحقوق المقررة له في المادة 11، مع وجوب اتباع القواعد والإجراءات المنصوص عليها في التشريعات السارية وقت اتخاذ قرار الفسخ.

لكن هذا الحق ليس مطلقًا؛ إذ لا يجوز للمطور أن يتخذ من مجرد ادعاء إخلال المشتري أساسًا كافيًا لإنهاء العقد دون اتباع الإجراءات القانونية المقررة.

وقد أكدت الهيئة أن الإجراءات المنصوص عليها في المادة 11 تُعد من النظام العام، بما مؤداه أن الالتزام بها ليس إجراءً شكليًا يمكن تجاوزه، وإنما ضمانة قانونية يتوقف على صحتها الاعتداد بالوثيقة الصادرة بشأن سلامة إجراءات الفسخ.

وبالتالي، فإن مشروعية الفسخ لا تتحدد فقط بوجود شرط تعاقدي يسمح به، بل تستلزم كذلك التحقق من الإخلال المنسوب إلى المشتري، وصحة الإخطار، ومراعاة المدد والإجراءات التي أوجبها القانون.

ثالثًا: الإجراءات الواجب على المطور اتباعها قبل الفسخ

بيّنت الهيئة العامة الخطوات الأساسية التي يتعين اتباعها عند اتجاه المطور إلى فسخ عقد البيع على الخارطة بسبب إخلال المشتري بالتزاماته.

1. إخطار دائرة الأراضي والأملاك

يتعين على المطور إخطار دائرة الأراضي والأملاك بأوجه الإخلال التي ينسبها إلى المشتري، باستخدام النموذج المعد لهذا الغرض، مع إرفاق البيانات والمستندات المطلوبة، وعلى الأخص بيانات المشتري ووسائل التواصل معه، وبيان الالتزامات التي يدعي المطور عدم الوفاء بها.

2. تحقق الدائرة من الإخلال

تتولى الدائرة التحقق من الالتزامات التعاقدية للمشتري، فإذا تبين لها وقوع الإخلال، وجب عليها إعذاره بإخطار كتابي يتضمن مطالبته بالوفاء بالتزاماته خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإخطار، وذلك بأي وسيلة إعلان تراها الدائرة مناسبة.

ويكشف هذا الإجراء عن أهمية إثبات الإخطار وتاريخه ومضمونه، وعدم الاكتفاء بمجرد القول بأن المشتري أُخطر أو أُعطي مهلة للسداد.

3. بحث اعتراضات المشتري ومحاولة التسوية

إذا قدم المشتري اعتراضًا على ما نسبه إليه المطور، فعلى الدائرة إجراء التسوية الودية إن أمكن.

فإذا تمت التسوية، يُثبت الاتفاق في ملحق للعقد. أما إذا تعذرت التسوية، فتتخذ الدائرة الإجراء الذي يتفق مع نتيجة فحصها للاعتراضات، وفقًا لما فصلته الهيئة العامة.

4. إصدار الوثيقة أو الشهادة المناسبة

ميّز الرأي بين وثيقة صحة الإجراءات وشهادة اتباع الإجراءات، بحسب ما تسفر عنه مراجعة الدائرة.

فإذا تحققت الدائرة من الإخلال واتُّبعت الإجراءات اللازمة، أمكن إصدار الوثيقة التي تتيح للمطور اتخاذ التدابير المقررة قانونًا. أما إذا لم يتبين وقوع إخلال من المشتري، أو قدم اعتراضات جدية أو دفوعًا قانونية، فعلى الدائرة إصدار شهادة تفيد اتباع المطور للإجراءات الواجبة قانونًا، ليتسنى له اتخاذ الإجراءات القضائية التي يراها مناسبة للمطالبة بحقوقه.

وهنا يجب التمييز بين ثبوت اتباع الإجراءات وبين الفصل النهائي في النزاع الموضوعي بشأن استحقاق الفسخ؛ فالشهادة لا تعني بالضرورة أن كل ما يدعيه المطور صحيح، ولا تحرم المشتري من عرض دفاعه على المحكمة.

رابعًا: هل يجوز للمطور الفسخ دون اللجوء إلى القضاء؟

أوضحت الهيئة العامة أن حصول المطور على وثيقة صحة الإجراءات قد يتيح له اتخاذ التدابير المبينة في المادة 11 بحق المشتري دون اللجوء إلى القضاء أو التحكيم.

وفي الوقت ذاته، قررت الهيئة أن هذا الحق لا يمنع المطور من اللجوء إلى القضاء بعد حصوله على وثيقة صحة الإجراءات أو شهادة اتباع الإجراءات، متى رأى أن ذلك لازم للمطالبة بحقوقه.

كما يجوز للمطور اللجوء إلى القضاء إذا قدم طلبًا مستوفيًا البيانات والمستندات إلى الدائرة، ولم تصدر الوثيقة أو الشهادة لأكثر من ثلاثين يومًا من تاريخ إخطار المشتري بالإخلال المنسوب إليه، متى كان عدم صدورها لا يرجع إلى المطور، وذلك وفقًا للشروط التي بيّنها الرأي.

وأجازت الهيئة للمطور كذلك اللجوء مباشرة إلى القضاء بطلب صحة التعاقد إذا لم يكن يستند إلى وقوع إخلال من المشتري بالتزاماته المتفق عليها في عقد البيع على الخارطة.

ومن ثم، فإن الرأي لا يحصر كل نزاع متعلق بعقد البيع على الخارطة في مسار واحد، بل يبين الحالات التي يجوز فيها اتخاذ التدابير المقررة بالمادة 11، والحالات التي يكون فيها اللجوء إلى القضاء متاحًا للفصل في الحقوق المتنازع عليها.

خامسًا: حق المشتري في الاعتراض على الفسخ والطعن في صحة الإجراءات

من أهم ما قررته الهيئة العامة أن للمشتري، سواء أقام دعوى مستقلة أم قدم دفاعًا في دعوى أقامها المطور، الحق في إثبات أي من الأمور الآتية:

  1. عدم اتباع الإجراءات الصحيحة اللازمة لإصدار وثيقة صحة الإجراءات.

  2. عدم إخلاله بالتزاماته التعاقدية.

  3. إخلال المطور بالتزاماته التعاقدية.

  4. عدم صحة النسب التي يتمسك بها المطور للاحتفاظ بجزء من ثمن العقار.

وأكدت الهيئة أن تحديد النسب التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها يخضع للقانون ولظروف الواقعة المعروضة على المحكمة، على ألا تتجاوز النسبة الحدود المقررة قانونًا.

وبالتالي، فإن حصول المطور على وثيقة أو شهادة من دائرة الأراضي والأملاك لا يغلق باب المنازعة أمام المشتري، ولا يمنعه من إثبات أن الإخلال غير قائم، أو أن الإجراءات معيبة، أو أن المطور نفسه أخل بالتزاماته، أو أن المبالغ المحتفظ بها تجاوزت الحدود القانونية.

وتُعد هذه الضمانة ذات أهمية خاصة في الحالات التي ينازع فيها المشتري في صحة المديونية أو في استحقاق الأقساط أو في الأساس الذي بُني عليه الفسخ.

سادسًا: ما أثر إقامة المشتري دعوى بشأن العقد؟

قررت الهيئة العامة أنه إذا أقام المشتري دعوى أمام المحكمة بطلب فسخ عقد البيع على الخارطة أو تنفيذه، جاز للمطور إقامة دعواه المتقابلة مباشرة، دون الحاجة إلى الرجوع إلى دائرة الأراضي والأملاك للحصول على وثيقة صحة الإجراءات أو شهادة اتباع الإجراءات.

ويعكس هذا المبدأ معالجة عملية لحالة يكون فيها النزاع قد عُرض بالفعل على القضاء؛ إذ يستطيع المطور طرح مطالبه المقابلة في الدعوى ذاتها، بدلًا من اشتراط سلوك إجراء سابق لدى الدائرة في هذه الحالة.

ومع ذلك، يظل الفصل في الطلبات المتقابلة خاضعًا لما يقدم في الدعوى من مستندات ودفوع، ولتقدير المحكمة لمدى ثبوت الإخلال وشروط تطبيق المادة 11.

سابعًا: هل يجوز للمطور الاحتفاظ بكامل المبالغ المدفوعة؟

لا يجيز الرأي للمطور الاحتفاظ بمبالغ تتجاوز الحدود المقررة قانونًا لمجرد فسخ العقد.

فقد أكدت الهيئة العامة أن للمطور، عند ثبوت إخلال المشتري وتوافر شروط تطبيق المادة 11، التمسك بالحقوق التي قررها القانون، مع بقاء السلطة التقديرية للمحكمة في احتساب النسب التي يحق للمطور الاحتفاظ بها، وبشرط ألا تتجاوز النسب المقررة قانونًا.

ومن ثم، فإن تحديد المبلغ المستحق للمطور لا يقوم على إرادته المنفردة وحدها، وإنما يرتبط بأحكام القانون، وبنسبة الإنجاز والوقائع الثابتة في الدعوى، وبما تنتهي إليه المحكمة عند عرض النزاع عليها.

ويجوز للمشتري منازعة النسبة التي يتمسك بها المطور، سواء من حيث أساسها أو طريقة احتسابها أو مدى توافقها مع الحدود القانونية.

تنبيه مهم: لم يورد الرأي محل المقال جدولًا تفصيليًا لجميع نسب الاحتفاظ بالمبالغ وفق مراحل الإنجاز؛ لذلك ينبغي الرجوع إلى النص التشريعي الساري والقرارات التنظيمية ذات الصلة عند تحديد النسبة الرقمية في نزاع معين، وعدم الاكتفاء بهذا الرأي وحده لإجراء الحساب.

ثامنًا: بطلان الإجراءات عند عدم صحة إخطار المشتري

أكدت الهيئة العامة أن صحة الإخطار المرسل إلى المشتري من دائرة الأراضي والأملاك شرط جوهري لصحة الوثيقة الصادرة بشأن الإجراءات، وأن عدم صحة الإخطار يؤدي إلى عدم صحة الوثيقة.

وتناولت الهيئة حالة وفاة المشتري قبل إعلانه من الدائرة أو قبل انتهاء مهلة الثلاثين يومًا، دون أن يقوم المطور بإخطار الدائرة بتعديل بيانات المشتري وإدراج ورثته.

وفي هذه الحالة، إذا لم يتضمن الإخطار جميع الورثة على النحو الذي بيّنه الرأي، فإن الإخطار يكون غير صحيح، وتترتب على ذلك بطلان الإجراءات التي تمت، وبطلان الوثيقة الناتجة عنها.

ويؤكد هذا المبدأ أن صحة الإخطار ليست مسألة شكلية، بل ضمانة تتصل بتمكين صاحب الشأن أو من يمثله قانونًا من العلم بما يُنسب إليه، وممارسة حقه في الدفاع.

تاسعًا: الحماية القانونية للمشتري القاصر أو فاقد الأهلية أو ناقصها

خصصت الهيئة العامة جانبًا مهمًا من رأيها لحماية المشتري الذي يكون فاقد الأهلية أو ناقصها أو قاصرًا.

وقررت أن الإخطار في هذه الحالات يجب أن يوجَّه إلى الولي أو القيم أو الممثل القانوني، بحسب الأحوال، وألا يُتخذ إجراء يترتب عليه المساس بالحقوق المالية لهذه الفئات دون مراعاة الضمانات القانونية المقررة لحمايتها.

وبيّنت الهيئة أن قرار المطور بفسخ العقد أو الشروع في تنفيذه بإرادته المنفردة في مواجهة هؤلاء المشترين، دون تمكينهم أو من يمثلهم قانونًا من إبداء دفاعهم، يكون معيبًا، وأن وثيقة صحة الإجراءات الصادرة في هذه الحالة تكون باطلة وفقًا لما انتهى إليه الرأي.

وأوضحت كذلك أنه يجوز لمن يمثل المشتري قانونًا اللجوء إلى المحكمة لطلب إلغاء قرار المطور وما ترتب عليه من آثار، ومنها إعادة التسجيل باسم المشتري إذا كان ذلك ممكنًا، أو رد المبالغ المسددة من الثمن إذا استحال ذلك، مع جواز المطالبة بالتعويض متى كان له مقتضٍ.

وتكشف هذه الضمانات عن أن سلطة المطور في التعامل مع عقد البيع على الخارطة لا يجوز أن تمس الحقوق المالية للأشخاص الذين يستلزم وضعهم القانوني حماية خاصة.

عاشرًا: الأثر العملي لرأي الهيئة العامة في المنازعات العقارية

يقدم رأي الهيئة العامة مجموعة من المبادئ التي ينبغي مراعاتها عند إعداد الدعاوى والدفوع المتعلقة بفسخ عقود البيع على الخارطة، وأهمها:

  • التحقق أولًا من القانون الواجب التطبيق على التصرف العقاري، بالنظر إلى حالة الوحدة وتسجيلها وحقيقة الإجراءات التي اتخذت بشأنها.

  • فحص إخطار المطور للدائرة، ومدى استيفائه البيانات والمستندات اللازمة.

  • التحقق من صحة إخطار المشتري وتاريخ الإعلان ومراعاة مهلة الثلاثين يومًا.

  • التمييز بين ثبوت اتباع الإجراءات وبين ثبوت الإخلال الموضوعي الذي يبرر الفسخ.

  • تمكين المشتري من منازعة الإخلال المدعى به، والطعن في صحة الإجراءات، والاعتراض على النسب المحتفظ بها.

  • مراعاة الحالات الخاصة بوفاة المشتري أو نقص أهليته، والتحقق من صحة توجيه الإخطار إلى الأشخاص الذين يوجب القانون إعلانهم.

  • عدم تجاوز النسب القانونية المسموح للمطور بالاحتفاظ بها من الثمن، مع مراعاة ما تقرره المحكمة بشأن ظروف النزاع.

وتساعد هذه المبادئ على توجيه البحث القانوني نحو المسائل الحاسمة في الدعوى، بدلًا من الاقتصار على التمسك بوجود بند تعاقدي يجيز الفسخ أو بمجرد صدور وثيقة من الجهة الإدارية.

الخلاصة

أكدت الهيئة العامة لمحكمة تمييز دبي في رأيها الصادر بتاريخ 13 مارس 2024 أن فسخ عقود البيع على الخارطة بسبب إخلال المشتري يخضع لضوابط وإجراءات قانونية واجبة الاتباع، وأن صحة الإخطار والإجراءات تمثل عنصرًا جوهريًا في سلامة الوثيقة الصادرة بشأنها.

كما قررت أن للمشتري الحق في إثبات عدم إخلاله بالتزاماته، أو عدم صحة إجراءات الفسخ، أو إخلال المطور بالتزاماته، أو عدم صحة النسب التي يطالب بالاحتفاظ بها، مع خضوع النزاع لرقابة القضاء متى عُرض عليه.

ولا يقتصر أثر الرأي على تنظيم العلاقة بين المطور والمشتري، بل يمتد إلى تأكيد ضرورة حماية حقوق الورثة والقاصرين وفاقدي الأهلية وناقصيها، وعدم ترتيب آثار الفسخ في مواجهتهم دون مراعاة الضمانات القانونية المقررة.

وعليه، فإن دراسة أي نزاع بشأن فسخ عقد بيع على الخارطة في دبي تستلزم الجمع بين فحص العقد، والتحقق من الإخلال، ومراجعة الإجراءات والإخطارات، وتحديد القانون الواجب التطبيق، ومراعاة الحدود القانونية للمبالغ التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها.


هل يسقط حق المشتري في التعويض عن تأخير تسليم العقار بسبب عدم سداد رسوم التسجيل؟ حكم مهم لمحكمة تمييز دبي

 


                 

مقدمة

يُعد التأخير في تسليم الوحدات العقارية من أبرز المنازعات التي تنشأ بين المطورين العقاريين والمشترين في دبي، خاصة عندما يكون المشتري قد سدد كامل ثمن العقار، بينما يتأخر المطور في تنفيذ التزامه بالتسليم في الموعد المتفق عليه.

ومن المسائل القانونية التي تثير الجدل في هذا النوع من المنازعات: هل يجوز للمطور العقاري الامتناع عن دفع التعويض الاتفاقي عن التأخير بحجة أن المشتري لم يسدد رسوم التسجيل العقاري، رغم سداده كامل ثمن الوحدة؟

أجابت محكمة تمييز دبي عن هذا التساؤل في حكمها الصادر في الطعن العقاري رقم 752 لسنة 2025، بجلسة 19 يناير 2026، وقررت مبدأً مهمًا بشأن الطبيعة القانونية لرسوم التسجيل العقاري، ومدى تأثير عدم سدادها على حق المشتري في المطالبة بالتعويض الاتفاقي عن تأخير التسليم.

أولًا: وقائع النزاع العقاري

تتلخص وقائع الدعوى، وفقًا لما أورده الحكم، في أن مشتريين أبرما بتاريخ 25 مارس 2018 اتفاقية لشراء شقة فندقية في أحد الأبراج بدبي، بمساحة 258.04 قدمًا مربعًا، وبثمن إجمالي قدره 785,500 درهم، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة ورسوم التسجيل.

وكان الموعد المتفق عليه لإنجاز الوحدة في أو قبل 31 ديسمبر 2019، مع منح البائع حق تمديد الموعد المتوقع لمدة تصل إلى ستة أشهر، وفقًا للشروط الواردة في الاتفاقية.

وذكر المشتريان أنهما سددا كامل أقساط الثمن والرسوم والضريبة، إلا أن المطور لم يسلمهما الوحدة، ولم يستكمل التراخيص والمتطلبات اللازمة لتشغيلها وفق التصنيف الفندقي المتفق عليه.

وبناءً على ذلك، أقاما دعواهما بطلب فسخ التعاقد ورد المبالغ المسددة، إلى جانب التعويض عن فترة التأخير.

وبعد نظر الدعوى والاستعانة بالخبرة، قضت محكمة أول درجة بمبلغ تعويض، ثم عدلت محكمة الاستئناف المبلغ المحكوم به إلى 122,519.67 درهمًا، مع تأييد الحكم فيما عدا ذلك.

ولم يرتضِ المطور بالحكم، فطعن عليه بالتمييز، مستندًا إلى أن الاتفاقية اشترطت لاستحقاق التعويض الاتفاقي وفاء المشتري بجميع التزاماته، وأن رسوم التسجيل لم يسددها المشتريان، وإنما قامت الشركة بسدادها.

ثانيًا: ما المبدأ القانوني الذي قررته محكمة تمييز دبي؟

قررت محكمة التمييز أن رسوم التسجيل العقاري المستحقة لدائرة الأراضي والأملاك تمثل التزامًا ماليًا تابعًا ومستقلًا عن الالتزام الجوهري بسداد ثمن المبيع، وأن التأخر في سداد هذه الرسوم لا يشكل، في ذاته، إخلالًا جوهريًا يبرر للبائع التحلل من التزاماته أو طلب فسخ العقد.

كما أوضحت المحكمة أن عدم سداد رسوم التسجيل لا يحرم المشتري من التمسك بالتعويض الاتفاقي المقرر في العقد، متى كان البائع قد أخل بالتزامه الجوهري بتسليم العقار في الموعد المتفق عليه، وكان المشتري قد أوفى بالتزامه الرئيسي المتمثل في سداد ثمن المبيع وملحقاته والالتزامات التعاقدية الأخرى ذات الصلة، وفقًا لما بيّنه الحكم.

وبذلك رفضت المحكمة دفاع المطور القائم على عدم سداد رسوم التسجيل، واعتبرت أن هذا الدفاع لا يصلح وحده سببًا لإسقاط حق المشتري في التعويض عن التأخير.

ثالثًا: لماذا لا يُعد سداد رسوم التسجيل شرطًا لاستحقاق التعويض عن التأخير؟

تكمن أهمية الحكم في التمييز بين الالتزامات الجوهرية الناشئة عن عقد البيع، والرسوم المستحقة لجهة حكومية مقابل خدمة تسجيل العقار.

فالتزام المشتري بسداد ثمن العقار يمثل التزامًا رئيسيًا في العلاقة التعاقدية، في حين أن رسوم التسجيل، وفقًا للمبدأ الذي قررته المحكمة في هذا الحكم، تستحق لدائرة الأراضي والأملاك مقابل تسجيل العقار في السجلات العقارية.

ومن ثم، فإن عدم سداد رسوم التسجيل تترتب عليه آثاره المتعلقة بإتمام التسجيل العقاري، ولا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط حق المشتري في التعويض عن إخلال مستقل من جانب البائع، يتمثل في عدم تسليم الوحدة في الموعد المحدد.

ولا يغير من ذلك مجرد النص على رسوم التسجيل في اتفاقية البيع؛ إذ لا يكفي ورودها في العقد لاعتبارها شرطًا واقفًا لاستحقاق التعويض عن التأخير، وفقًا لما قررته المحكمة في القضية محل الحكم.

ومؤدى ذلك أن المطور لا يستطيع أن يجعل من عدم سداد الرسوم الإدارية وسيلة للتنصل من مسؤوليته عن تأخير التسليم، متى ثبت إخلاله بالتزامه الجوهري وتوافرت شروط استحقاق التعويض.

رابعًا: هل يحق للمطور الرجوع على المشتري إذا سدد رسوم التسجيل نيابة عنه؟

لم يهدر الحكم حق المطور في المطالبة بما قد يكون قد دفعه نيابة عن المشتري، وإنما فصل بين هذه المسألة وبين استحقاق التعويض عن التأخير.
فقد أوضحت المحكمة أنه إذا كانت الشركة قد سددت رسوم التسجيل نيابة عن المشتري، وصح ذلك، فإن حقها يكون في الرجوع عليه متى توافرت شروط الإيفاء بدين الغير.
وبالتالي، فإن وجود مطالبة مستقلة برسوم التسجيل لا يعني بالضرورة سقوط حق المشتري في التعويض الاتفاقي، كما أن ثبوت حق المطور في استرداد الرسوم المدفوعة نيابة عن المشتري لا يمنحه تلقائيًا الحق في الامتناع عن التعويض المستحق عن إخلاله بالتسليم.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين الحقوق والالتزامات المتقابلة، وعدم الخلط بين دين الرسوم المستحقة عن التسجيل وبين المسؤولية الناشئة عن التأخير في تنفيذ عقد البيع.
خامسًا: ما الشروط التي ينبغي مراعاتها عند المطالبة بالتعويض الاتفاقي؟
يستفاد من الحكم أن المطالبة بالتعويض عن تأخير التسليم تستلزم فحص العقد ومستندات التنفيذ والوفاء، ولا يكفي مجرد إثبات التأخير بمعزل عن بقية عناصر النزاع.
وعمليًا، ينبغي للمشتري الذي يطالب بالتعويض أن يركز على المسائل الآتية:
إثبات الالتزام بالتسليم: تقديم اتفاقية البيع التي تحدد موعد التسليم أو الإنجاز، مع مراعاة أي تمديدات تعاقدية صحيحة وشروطها.
إثبات سداد الثمن: تقديم إيصالات السداد وكشوف الحساب والمستندات التي تثبت الوفاء بالالتزامات المالية الرئيسية المتفق عليها.
إثبات التأخير والإخلال: بيان أن المطور لم ينفذ التزامه بالتسليم في الموعد المستحق، مع تقديم ما يؤيد استمرار عدم التسليم أو عدم استيفاء المتطلبات المتفق عليها، بحسب طبيعة النزاع.
تحديد أساس التعويض: مراجعة بند التعويض الاتفاقي في العقد، وشروط استحقاقه، وطريقة احتسابه، ومدى انطباقه على الوقائع الثابتة.
الرد على الدفع بعدم سداد الرسوم: التمسك بأن عدم سداد رسوم التسجيل لا يسقط الحق في التعويض تلقائيًا، متى توافرت الشروط التي أكدها حكم التمييز، مع مراعاة ظروف كل دعوى ونصوص العقد.
ومن المهم التنبيه إلى أن الحكم لا يعني أن التعويض يستحق في كل حالة تأخير دون بحث؛ إذ يظل استحقاقه مرتبطًا بثبوت الإخلال وتوافر شروط التعويض الاتفاقي وفقًا للعقد والقانون.

سادسًا: ما أهمية الحكم بالنسبة للمشترين والمطورين العقاريين؟

تظهر أهمية الحكم في أنه يمنع الخلط بين التزام المشتري برسوم التسجيل وبين التزام المطور بتسليم الوحدة في الموعد المتفق عليه.

بالنسبة للمشتري: يتيح الحكم التمسك بحقه في التعويض الاتفاقي رغم المنازعة بشأن رسوم التسجيل، متى أثبت الوفاء بالتزامه الرئيسي وثبت إخلال المطور بالتسليم وتوافرت شروط التعويض.

بالنسبة للمطور: يؤكد الحكم أن مجرد قيامه بسداد رسوم التسجيل نيابة عن المشتري لا يكفي، بذاته، للتخلص من مسؤوليته عن التأخير. وإذا كان له حق في استرداد تلك الرسوم، فإن ذلك يُبحث على أساسه القانوني المستقل.

بالنسبة للمحامين والممارسين القانونيين: يبرز الحكم أهمية تحليل كل التزام تعاقدي على حدة، والتمييز بين الالتزامات الجوهرية والالتزامات المالية التابعة، وتحديد الأثر القانوني لكل منها دون الخلط بين المطالبات المختلفة.

سابعًا: منطوق الحكم والنتيجة التي انتهت إليها المحكمة

انتهت محكمة تمييز دبي إلى أن نعي المطور بشأن عدم سداد المشتري رسوم التسجيل العقاري لا يقوم على أساس صحيح، ورفضت الطعن، تأسيسًا على أن هذه الرسوم لا تحول، بذاتها، دون استحقاق التعويض الاتفاقي عن التأخير متى ثبت إخلال المطور بالتزامه الجوهري بالتسليم وتوافرت شروط استحقاق التعويض.

ويظل من المهم عند الاستناد إلى هذا الحكم الرجوع إلى نصوص اتفاقية البيع والشراء، ومستندات السداد، والوقائع التي أثبتها الحكم، وعدم تعميم النتيجة خارج نطاق المبدأ الذي قررته المحكمة.

الخلاصة

أكد حكم محكمة تمييز دبي الصادر في الطعن العقاري رقم 752 لسنة 2025 بجلسة 19 يناير 2026 مبدأً مهمًا في المنازعات العقارية، مؤداه أن عدم سداد رسوم التسجيل العقاري لا يسقط تلقائيًا حق المشتري في التعويض الاتفاقي عن تأخير تسليم الوحدة، متى أوفى بالتزامه الرئيسي وثبت إخلال المطور بالتسليم وتوافرت شروط التعويض.

كما أكد الحكم أن قيام المطور بسداد رسوم التسجيل نيابة عن المشتري قد ينشئ له حقًا مستقلًا في الرجوع عليه، إذا توافرت شروط الإيفاء بدين الغير، لكنه لا يشكل بذاته مبررًا لإهدار حق المشتري في التعويض عن التأخير.

ويقدم هذا الحكم أساسًا مهمًا لفهم العلاقة بين الالتزامات التعاقدية في بيع العقارات، وضرورة الفصل بين المطالبات المالية المختلفة عند نظر النزاعات بين المطورين والمشترين. 

فسخ عقد البيع على الخارطة بالإرادة المنفردة في دبي: الإجراءات والضوابط وحقوق المشتري وفق القرار رقم 102 لسنة 2024

 



مقدمة

يمثل فسخ عقد البيع على الخارطة بسبب إخلال المشتري بسداد الأقساط أحد الموضوعات المهمة في المنازعات العقارية بإمارة دبي، لما يترتب عليه من آثار تمس ملكية الوحدة العقارية، والمبالغ المسددة من المشتري، وحقوق المطور العقاري في استرداد الوحدة وإعادة التصرف فيها.

ولم يترك المشرّع تنظيم هذه المسألة لإرادة المطور العقاري وحدها، بل وضع إطارًا إجرائيًا يوازن بين حق المطور في مواجهة المشتري المتخلف عن السداد، وحق المشتري في العلم بالإجراءات الموجهة إليه، والاعتراض عليها، واسترداد المبالغ المستحقة له وفق الضوابط المعتمدة.

وفي هذا السياق، صدر قرار دائرة الأراضي والأملاك في دبي رقم (102) لسنة 2024، بتاريخ 3 يونيو 2024، لتنظيم إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة، وإصدار شهادة اتباع إجراءات الفسخ، والوثيقة التي تثبت صحة الإجراءات المتخذة أمام الدائرة.

ويكتسب القرار أهمية عملية خاصة؛ إذ يحدد الإجراءات التي يتعين على المطور اتباعها قبل فسخ عقد البيع على الخارطة، والمستندات اللازمة لتقديم طلب الفسخ، والضوابط المتعلقة باعتراض المشتري، ونسب الخصم من قيمة الوحدة، والحالات التي يتعين فيها وقف إجراءات الفسخ.

أولًا: ما المقصود بفسخ عقد البيع على الخارطة بالإرادة المنفردة؟

يقصد بالفسخ بالإرادة المنفردة، في نطاق القرار، الإجراءات التي يتخذها المطور العقاري لإنهاء عقد بيع وحدة عقارية على الخارطة بسبب إخلال المشتري بالتزامه بسداد الأقساط المستحقة في المواعيد المحددة بالعقد، وذلك وفق المسار الإجرائي المنظم أمام دائرة الأراضي والأملاك.

ولا يعني ذلك أن للمطور سلطة مطلقة في إنهاء العقد أو إلغاء تسجيل الوحدة دون ضوابط؛ بل يتعين عليه إثبات إخلال المشتري، واستيفاء إجراءات الإنذار والإخطار، وتقديم المستندات المطلوبة، والخضوع للتحقق الذي تجريه الدائرة بشأن التزامات الطرفين.

ومن ثم، فإن تأخر المشتري عن السداد لا يغني المطور عن اتباع الإجراءات المقررة، كما أن مجرد إرسال إخطار بالفسخ لا يعني بالضرورة اكتمال جميع المتطلبات اللازمة لإصدار الوثيقة وإلغاء تسجيل الوحدة.

ثانيًا: إنذار المشتري ومنحه مهلة ثلاثين يومًا للسداد

نظمت المادة الأولى من القرار إجراءات الإنذار الواجب على المطور العقاري اتباعها عند إخلال المشتري بسداد الأقساط المستحقة عن وحدة مباعة على الخارطة في مشروع عقاري فعال.

ويتعين على المطور إرسال الإنذار وفق النموذج المعتمد لدى دائرة الأراضي والأملاك، إلى العنوان المسجل في عقد البيع أو في استمارة تعديل بيانات المشتري المقدمة من المطور.

ويتم إرسال الإنذار بواسطة الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو البريد المسجل، أو أي وسيلة أخرى تحددها الدائرة. ويعتبر الإنذار منتجًا لآثاره من تاريخ إرسال الرسالة النصية أو البريد الإلكتروني، أو من تاريخ علم الوصول بالنسبة إلى البريد المسجل.

ويجب أن يتضمن الإنذار البيانات الأساسية التي حددها القرار، ومنها:

  • بيانات المطور العقاري والبائع، إن كان مختلفًا عن المطور.

  • بيانات المشتري وعنوانه ووسائل الاتصال به.

  • بيانات المشروع والوحدة العقارية وموقعها ونوعها.

  • نسبة إنجاز المشروع، ونسبة إنجاز الوحدة عند الاقتضاء.

  • الأقساط التي سددها المشتري وتواريخ السداد.

  • الأقساط المستحقة وتواريخ استحقاقها، دون إضافة رسوم أو غرامات يفرضها المطور.

  • رقم حساب الضمان واسم أمين حساب الضمان.

وبموجب المادة الأولى، يلتزم المشتري بسداد المبلغ المستحق كاملًا خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإنذار، في حساب ضمان المشروع العقاري أو في حساب المطور إذا كان المشروع قد اكتمل، مع إخطار المطور بالسداد بالوسائل المحددة في القرار.

وتبرز هنا أهمية مراجعة الإنذار من الناحيتين الشكلية والموضوعية؛ فلا يكفي إثبات وجود متأخرات، بل ينبغي أيضًا التحقق من بيانات الإنذار، ومقدار المبلغ المطالب به، ووسيلة إرساله، ومدى مطابقته لمتطلبات القرار.

ثالثًا: لا يجوز تقديم طلب الفسخ إلى الدائرة قبل استيفاء المستندات المطلوبة

إذا لم يسدد المشتري المبلغ المستحق خلال المهلة المحددة، يجوز للمطور البدء في إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة بتقديم طلب إلى دائرة الأراضي والأملاك، بشرط استيفاء المستندات المحددة في المادة الثانية.

وتشمل هذه المستندات، بحسب الأحوال:

  1. عقد بيع الوحدة العقارية على الخارطة كاملًا.

  2. وثيقة سفر المشتري، أو الرخصة التجارية إذا كان المشتري شخصًا اعتباريًا.

  3. الإنذار المرسل إلى المشتري، مع ما يثبت الإرسال والاستلام وفق الإجراءات المعتمدة.

  4. التقرير الفني الصادر من إدارة المساحة بالدائرة بالنسبة إلى المشاريع الفعالة المكونة من عدة مبانٍ أو فلل.

  5. ما يثبت سداد رسوم تسجيل الوحدة إذا كانت النسبة المدفوعة 40% فأكثر، مع بيان بيانات الوحدة.

  6. المستندات المتعلقة بالمبالغ المودعة في حساب الضمان، وفق ما يحدده القرار.

  7. ما يثبت العلاقة بين المطور والبائع أو شركة الوساطة، عند اختلاف الجهات ذات الصلة بعملية البيع.

  8. المستندات اللازمة عند تغيير المطور أو اسم المشروع، أو تغيير عنوان المشتري.

  9. ما يثبت إشعار المشتري بنسبة إنجاز المشروع أو بتمام إنجازه.

  10. تحديد نسبة الأقساط المستحقة وفق جدول الدفعات المتفق عليه في العقد.

وتتحقق الدائرة، بعد استلام الطلب مستوفيًا المستندات والرسوم، من صحة إخلال المشتري بالتزاماته وعدم سداد الأقساط المستحقة، وكذلك من التزام المطور بتنفيذ التزاماته التعاقدية.

فإذا ثبت الإخلال، تعتمد الدائرة طلب الفسخ وترسل إلى المطور إخطار الفسخ بالإرادة المنفردة المعتمد وفق النموذج المقرر. أما إذا لم يستوف المطور المتطلبات أو لم يسدد الرسوم المستحقة، فيجوز رفض الطلب، مع جواز إعادة تقديمه بعد استكمال النواقص.

والنتيجة أن إجراءات الفسخ لا تقوم على ادعاء المطور وحده، وإنما تخضع للتحقق من الإخلال واستيفاء المستندات والالتزامات المطلوبة.

رابعًا: حق المشتري في الاعتراض على إجراءات الفسخ

منح القرار المشتري وسيلة للاعتراض على إجراءات الفسخ؛ إذ يتعين على المطور، بعد استلام إخطار الفسخ المعتمد من الدائرة، إبلاغ المشتري به وفق الوسائل والعناوين المحددة.

وإذا تعذر إخطار المشتري لعدم وجود عنوان واضح له في عقد البيع أو لدى المطور، نظم القرار اللجوء إلى الإعلان في صحيفة يومية واسعة الانتشار تصدر في الدولة باللغة العربية، وفي صحيفة أخرى بلغة أجنبية إذا كان المشتري أجنبيًا.

وبموجب المادة الثانية، يجوز للمشتري إبداء اعتراضه على إجراءات الفسخ وفق النموذج المعتمد لدى الدائرة خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإخطار، وتتولى الدائرة التحقق من جدية أسباب الاعتراض.

وتكتسب هذه المهلة أهمية بالغة؛ إذ ينبغي للمشتري الذي ينازع في صحة الفسخ أن يبادر إلى تقديم اعتراضه مدعومًا بالمستندات التي تثبت وجه اعتراضه، سواء تعلق الأمر بالسداد، أو بصحة احتساب الأقساط، أو بالتزامات المطور، أو بأي سبب جدي آخر يتعلق بالإجراءات محل الاعتراض.

ولا ينبغي للمشتري أن يتعامل مع إخطار الفسخ باعتباره مجرد إجراء شكلي؛ بل يتعين عليه مراجعة العقد وكشوف الحساب والمراسلات والإيصالات والمستندات الفنية ذات الصلة، وتحديد أسباب الاعتراض بوضوح.

خامسًا: متى تتوقف الدائرة عن نظر طلب الفسخ وتصدر شهادة اتباع الإجراءات؟

نظمت المادة الثالثة من القرار مسألة التسوية الودية بين المطور العقاري والمشتري، وأوجبت على الدائرة بذل مساعي التسوية متى أمكن ذلك.

فإذا توصل الطرفان إلى تسوية، يتم إثباتها بموجب ملحق عقد أو اتفاقية موقعة بينهما، وتلحق بمحضر التسوية، ويُثبت محتواها فيه، ثم تعتمدها الدائرة.

أما إذا قدم المشتري اعتراضات جدية في مواجهة المطور، فعلى الدائرة التوقف عن نظر طلب الفسخ ومنح المطور شهادة اتباع إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة وفق النموذج المعتمد.

وتظهر أهمية هذه الشهادة في أنها توثق اتباع الإجراءات أمام الدائرة، وتتيح للمطور إقامة دعواه مباشرة أمام القضاء في الحالات التي نص عليها القرار، بدلًا من استمرار إجراءات الفسخ الإداري رغم وجود اعتراضات جدية تستلزم الفصل القضائي.

ومن المهم التمييز بين شهادة اتباع إجراءات الفسخ والوثيقة بصحة إجراءات الفسخ؛ فلكل منهما وظيفة مختلفة ضمن المسار الإجرائي الذي رسمه القرار، ولا يصح اعتبارهما مستندًا واحدًا أو افتراض أن صدور الشهادة وحده يؤدي تلقائيًا إلى إلغاء تسجيل الوحدة.

سادسًا: نسب الخصم من قيمة الوحدة عند استكمال إجراءات الفسخ

حددت المادة الرابعة الضوابط المتعلقة بطلب إصدار الوثيقة والخصم من قيمة الوحدة العقارية، وربطت الحد الأقصى للخصم بنسبة إنجاز المشروع العقاري.

ووفقًا للنص الوارد في القرار:

  • إذا تجاوزت نسبة إنجاز المشروع 80%، يجوز للمطور تقديم طلب الخصم بما لا يزيد على 40% من قيمة الوحدة.

  • إذا تجاوزت نسبة إنجاز المشروع 60% ولم تتجاوز 80%، يجوز طلب الخصم بما لا يزيد على 40% من قيمة الوحدة.

  • إذا كانت نسبة الإنجاز 60% أو أقل، يكون الحد الأقصى للخصم 25% من قيمة الوحدة.

وللدائرة تحديد نسبة الخصم المقررة للمطور عند نظر طلب إصدار الوثيقة؛ ومن ثم فإن النسب المشار إليها تمثل حدودًا قصوى وفق فئات الإنجاز، وليست مبالغ تخصم تلقائيًا في جميع الحالات.

كما أوجب القرار على المطور إيداع شيك مصرفي معتمد لصالح المشتري بقيمة المبلغ المتبقي المستحق له من قيمة الوحدة، وفق الإجراءات المعتمدة لدى الدائرة، وتقديم ما يثبت الإيداع.

وتكمن أهمية هذا التنظيم في أنه يربط استكمال إجراءات الفسخ بتحديد المبلغ المسترد للمشتري، بدلًا من الاقتصار على إنهاء العلاقة التعاقدية دون تسوية مالية واضحة.

سابعًا: إصدار وثيقة صحة إجراءات الفسخ وإلغاء تسجيل الوحدة

بموجب المادة الخامسة، تصدر الدائرة الوثيقة بصحة إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة بعد إيداع الشيك لصالح المشتري.

وتتضمن الوثيقة بيانات جوهرية، منها التزام المطور بالإجراءات المنصوص عليها، ونسبة إنجاز المشروع والوحدة وفق المعايير المعتمدة، ونسبة الخصم المقررة، وقيمة المبلغ المسترد للمشتري، وتاريخ إلغاء تسجيل الوحدة باسم المشتري وتاريخ إعادة تسجيلها باسم المطور أو مشترٍ آخر، بحسب الأحوال.

وبعد إشعار المشتري بصدور الوثيقة، يتعين عليه مراجعة الدائرة لاسترجاع المبلغ المتبقي المستحق له وفق القواعد والإجراءات المعتمدة، وذلك وفق المادة السادسة.

ويؤكد هذا التنظيم أن إلغاء تسجيل الوحدة واسترداد المشتري للمبلغ المتبقي يرتبطان باستكمال الإجراءات المحددة، وليس بمجرد إرسال إنذار أو إعلان المطور رغبته في فسخ العقد.

ثامنًا: حالات تمنع الاستمرار في إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة

وضعت المادة السابعة قيودًا على استمرار الدائرة في إجراءات الفسخ وإصدار الوثيقة، وأوجبت التوقف في حالات محددة، منها:

  1. ثبوت عدم إخلال المشتري بالتزاماته.

  2. ثبوت قيد المشتري دعوى في مواجهة المطور، أو صدور حكم قضائي لصالح المشتري بشأن الوحدة العقارية.

  3. ثبوت إخلال المطور بالتزاماته من خلال تغيير مواصفات جوهرية في الوحدة، ومنها وجود نقص في مساحة الوحدة يزيد على 5% أو ثبوت تغيير طبيعة استعمالها.

  4. ثبوت أن المشتري قاصر أو ناقص الأهلية أو فاقدها.

  5. ثبوت وفاة المشتري.

وفي هذه الحالات، تمنح الدائرة المطور شهادة اتباع إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة، لتمكينه من إقامة دعواه مباشرة أمام القضاء.

وتكشف هذه الأحكام عن أن مسار الفسخ الإداري ليس طريقًا مطلقًا لتجاوز النزاع القضائي؛ فإذا ظهرت إحدى الحالات التي نص عليها القرار، وجب وقف السير في الإجراءات الإدارية على النحو المحدد فيه، مع بقاء الفصل في النزاع من اختصاص القضاء وفقًا للقواعد الواجبة التطبيق.

تاسعًا: أهم الآثار العملية للقرار على المطور والمشتري

بالنسبة إلى المطور العقاري

يتعين على المطور التأكد من صحة احتساب الأقساط المتأخرة، وإرسال الإنذار وفق النموذج والوسائل المحددة، ومنح المشتري المهلة المقررة، وتجهيز المستندات الفنية والتعاقدية والمالية المطلوبة.

كما ينبغي له التحقق من تنفيذ التزاماته التعاقدية؛ لأن الدائرة لا تقتصر على فحص إخلال المشتري، بل تتحقق أيضًا من التزام المطور بما يفرضه عليه العقد.

بالنسبة إلى المشتري

ينبغي للمشتري الاحتفاظ بإيصالات السداد وكشوف الحساب والمراسلات المتعلقة بالأقساط والمشروع، ومراجعة تفاصيل الإنذار فور استلامه، وعدم تفويت مهلة الاعتراض المقررة.

وإذا كان الاعتراض قائمًا على إخلال المطور أو عدم صحة المبالغ المطالب بها أو وجود نزاع قضائي بشأن الوحدة، فينبغي دعمه بالمستندات والأدلة ذات الصلة، مع مراعاة الإجراءات والمواعيد المحددة في القرار.

خاتمة

يضع القرار رقم (102) لسنة 2024 إطارًا إجرائيًا منظمًا لفسخ عقود البيع على الخارطة بالإرادة المنفردة في دبي، ويحدد مراحل تبدأ بإنذار المشتري ومنحه مهلة للسداد، ثم تقديم طلب الفسخ والتحقق من المستندات والالتزامات، مرورًا بإتاحة الاعتراض والتسوية الودية، وانتهاءً بإصدار الوثيقة وإلغاء تسجيل الوحدة وتسوية المبالغ المستحقة.

وتتمثل أهم رسالة عملية في أن فسخ عقد البيع على الخارطة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد إخطار يصدره المطور، بل إجراء منظم تحكمه متطلبات محددة تتعلق بالإخلال التعاقدي، والإخطار، والتحقق، والاعتراض، والتسوية المالية.

ولذلك، فإن تقييم صحة إجراءات الفسخ في أي نزاع عقاري يتطلب فحص عقد البيع، وجدول الأقساط، والإنذار، والمستندات الفنية، وحالة المشروع، والمبالغ المسددة والمستحقة، وأي اعتراض أو دعوى قضائية قائمة، مع الرجوع إلى النصوص والقرارات السارية على الحالة محل النزاع.

هذا المقال شرح قانوني للقرار رقم (102) لسنة 2024 استنادًا إلى نصه المرفق، ولا يغني عن مراجعة التشريعات اللاحقة أو المستندات الخاصة بكل حالة على حدة.

المنازعات بين المقاول الرئيسي والمقاول من الباطن في ضوء حكم حديث لمحكمة نقض أبوظبي

 

  





متى تكون الوساطة شرطًا إلزاميًا؟ ومن يتحمل مسؤولية تعثر المشروع وفرق أسعار المقاولة؟

تُعد المنازعات بين المقاول الرئيسي والمقاول من الباطن من أكثر المنازعات تعقيدًا في عقود الإنشاءات، لا سيما عندما تتداخل الالتزامات الفنية مع إجراءات اعتماد المواد والمخططات، وتتوقف الأعمال بسبب خلاف حول المواصفات أو الاختبارات، ثم ينتهي الأمر بإنهاء العقد والتعاقد مع مقاول بديل بتكلفة أعلى.

وتزداد أهمية هذه المنازعات عندما يتمسك أحد الطرفين بشرط الوساطة الوارد في العقد، أو يطالب برد الدفعات المقدمة والتعويض عن الأضرار، بينما يتمسك الطرف الآخر باستحقاقه قيمة الأعمال الهندسية التي أنجزها والمبالغ التي أنفقها أثناء تنفيذ المشروع.

وفي هذا السياق، تناولت محكمة نقض أبوظبي، في حكمها الصادر بتاريخ 5 أكتوبر 2026 في الطعنين التجاريين رقمي 972 و983 لسنة 2026، نزاعًا نشأ عن عقد مقاولة من الباطن لأعمال تصميم وتوريد وتركيب الكسوة الحجرية الخارجية لأحد المباني، وانتهى إلى جملة من المبادئ المهمة بشأن تفسير شرط الوساطة، وتحديد المسؤولية عن تعثر المشروع، وتصفية الحسابات بين طرفي العقد.

أولًا: وقائع النزاع

تتلخص وقائع النزاع في إبرام عقد مقاولة من الباطن بتاريخ 14 مايو 2025، أسند بموجبه المقاول الرئيسي إلى المقاول من الباطن أعمال تصميم وتوريد وتركيب واستكمال وصيانة الكسوة الحجرية الخارجية للمبنى، مقابل مبلغ قدره 9,008,413.22 درهمًا، غير شامل ضريبة القيمة المضافة.

وسدد المقاول الرئيسي دفعة مقدمة بلغت 404,493.73 درهمًا، كما حوّل مبلغ 13,908.25 درهمًا مقابل اختبارات الأحجار.

إلا أن خلافًا نشأ بين الطرفين بشأن استكمال إجراءات الاعتماد الفني، وصلاحية الحجر المستخدم، والاختبارات المطلوبة، والرسومات التنفيذية والضمانات اللازمة لبدء الأعمال. وانتهى المقاول الرئيسي إلى إنهاء العقد بتاريخ 31 أغسطس 2025، ثم تعاقد مع مقاول آخر لتنفيذ الأعمال ذاتها بتكلفة تزيد على قيمة العقد الأصلي بمبلغ 790,143 درهمًا.

أقام المقاول الرئيسي دعواه مطالبًا برد الدفعة المقدمة ومبلغ الاختبارات والتعويض عن فرق تكلفة التعاقد مع المقاول البديل، فضلًا عن التعويض الأدبي. وفي المقابل، أقام المقاول من الباطن دعوى متقابلة طالب فيها بمبالغ عن الأعمال الهندسية والاختبارات والرواتب والربح الفائت وغيرها من المصروفات.

وقد دار النزاع أمام المحاكم حول مدى أحقية كل طرف في مطالبه، ومدى صحة إنهاء العقد، وأثر شرط الوساطة الوارد فيه.

ثانيًا: شرط الوساطة في عقد المقاولة لا يُفسَّر بمعزل عن صياغته

من أبرز المسائل التي تناولها الحكم مدى إلزامية شرط الوساطة الوارد في البند الحادي عشر من عقد المقاولة من الباطن.

فقد نص البند على التزام الطرفين ببذل الجهود المعقولة للتفاوض بحسن نية لتسوية أي نزاع، وأجاز لهما، في حال تعذر التسوية بالمفاوضات المباشرة، إحالة النزاع إلى الوساطة بموافقة متبادلة.

وتمسك أحد الطرفين بعدم قبول الدعوى لعدم استنفاد الوساطة، إلا أن المحكمة انتهت إلى أن اللجوء إلى الوساطة، وفق صياغة هذا البند، كان خيارًا اتفاقيًا وليس إجراءً إلزاميًا يتعين سلوكه قبل رفع الدعوى.

واستندت المحكمة إلى أن العقد لم يجعل الوساطة طريقًا حصريًا لحل النزاع، وإنما أجاز للطرفين اللجوء إليها بموافقتهما المتبادلة. ولما لم يتحقق الاتفاق على تعيين الوسيط أو مباشرة إجراءات الوساطة، كان من حق الطرف اللجوء إلى القضاء للمطالبة بمستحقاته.

والعبرة هنا ليست بمجرد ورود كلمة «الوساطة» في العقد، وإنما بمضمون الشرط وصياغته ومدى جعله الوساطة إجراءً إلزاميًا سابقًا على التقاضي أو مجرد وسيلة اختيارية للتسوية.

ومن ثم، ينبغي عند إعداد عقود المقاولة مراجعة بنود تسوية المنازعات بعناية، وتحديد ما إذا كانت الوساطة إلزامية، والجهة التي تتولاها، وآلية تعيين الوسيط، والمدة المقررة لها، والأثر المترتب على عدم الاتفاق بشأنها.

ثالثًا: تعثر المشروع لا يعني بالضرورة إخلال المقاول من الباطن

أكد النزاع أهمية التمييز بين عدم استكمال الإجراءات والمستندات التعاقدية من جهة، وبين تحديد السبب الفني المباشر الذي أدى إلى تعثر المشروع من جهة أخرى.

ففي الدعوى محل الحكم، ثار الخلاف حول اعتماد نوع الحجر ومورده، ومدى مطابقته للمواصفات الفنية، واستكمال الاختبارات والاعتمادات اللازمة. وأظهرت أوراق النزاع أن اعتماد المادة والمورد كان مرتبطًا بمنظومة الاعتماد الفني وملاحظات الاستشاري، وأن الاختبارات اللاحقة كشفت عن مسائل تتعلق بمدى مطابقة الحجر للمتطلبات الفنية.

ومع ذلك، فإن هذا الجانب الفني لا يجوز فصله عن بقية عناصر النزاع، ومنها الالتزامات التي تعهد بها المقاول من الباطن، والمراسلات المتبادلة، والتكليفات الصادرة إليه، ومدى تأثير أي مخالفة تعاقدية في توقف الأعمال.

والقاعدة العملية التي يكشف عنها النزاع هي أن تحديد المسؤولية عن تعثر المشروع يتطلب بحث السبب المباشر للتعثر، وليس الاكتفاء بإثبات وجود مخالفة شكلية أو تأخر في تقديم مستند.

فقد تكون هناك مخالفة تعاقدية، لكن يلزم بحث ما إذا كانت هي التي أدت بالفعل إلى توقف التنفيذ أو تعذره، أم أن السبب يرتبط بعوامل فنية أخرى أو بإجراءات الاعتماد التي تتداخل فيها مسؤوليات أكثر من طرف.

ولهذا تكتسب تقارير الخبرة والمراسلات الفنية ومحاضر الاجتماعات أهمية خاصة في هذا النوع من الدعاوى؛ إذ تساعد على تحديد تسلسل الأحداث، والجهة المسؤولة عن كل إجراء، ومدى ارتباط المخالفة المدعاة بالضرر المطالب بالتعويض عنه.

رابعًا: إنهاء العقد والتعاقد مع مقاول بديل لا يكفيان وحدهما لإثبات التعويض

طالب المقاول الرئيسي في النزاع بمبلغ 790,143 درهمًا باعتباره فرق التكلفة الناشئ عن التعاقد مع مقاول آخر لتنفيذ الأعمال ذاتها.

غير أن المطالبة بفرق أسعار المقاولة تثير مسألة أساسية، وهي ضرورة إثبات العلاقة بين الإخلال المنسوب إلى الطرف الآخر وبين الضرر المالي المطالب به.

فمجرد أن تكلفة المقاول البديل تزيد على قيمة العقد الأصلي لا يحسم، بمفرده، مسؤولية المقاول السابق عن هذا الفرق. بل يتعين بحث أسباب إنهاء العقد، ومدى مشروعيته، وما إذا كان الإخلال المنسوب إلى المقاول من الباطن هو السبب المباشر في اللجوء إلى مقاول بديل بالتكلفة الأعلى.

وفي المقابل، فإن تمسك المقاول من الباطن بأن التعثر كان مرتبطًا بالاعتمادات الفنية أو صلاحية المواد لا يعفيه تلقائيًا من التزاماته؛ إذ يتعين تقييم هذه الوقائع في ضوء نصوص العقد والأدلة الفنية والمراسلات.

ومن الناحية العملية، ينبغي للطرف الذي يطالب بفرق تكلفة المقاولة أن يحتفظ بالعقد الأصلي، وعقد المقاول البديل، وجداول الأسعار، والمراسلات المتعلقة بالتقصير والإنهاء، والمستندات التي تبين الأعمال المتبقية وأسباب ارتفاع تكلفتها.

كما ينبغي للطرف الذي يدفع بعدم مسؤوليته أن يقدم مستندات فنية واضحة تربط تعثر المشروع بسبب خارج عن نطاق إخلاله، بدلًا من الاكتفاء بالإنكار العام.

خامسًا: قيمة الأعمال الهندسية والرسومات التنفيذية عند عدم اكتمال الاعتماد النهائي

من المسائل المهمة التي أثارها النزاع مدى استحقاق قيمة الأعمال الهندسية والرسومات التنفيذية التي أُعدت قبل توقف المشروع، رغم عدم وصولها إلى مرحلة الاعتماد النهائي.

وقد تناولت الخبرة قيمة هذه الأعمال، كما ثار خلاف بشأن مقدار ما يستحقه المقاول من الباطن عنها، وما إذا كان يجوز تخفيض قيمتها بسبب عدم اكتمال الاعتماد النهائي.

ويكشف ذلك عن ضرورة التمييز بين إنجاز العمل الهندسي فعليًا، وبين اعتماده نهائيًا من المالك أو الاستشاري، وبين مدى استحقاق المقابل المالي وفق شروط العقد.

فلا يكفي إثبات إعداد الرسومات أو المخططات وحده لحسم الاستحقاق، كما لا يكفي عدم الاعتماد النهائي، بمفرده، لحسم عدم الاستحقاق؛ بل يجب الرجوع إلى العقد لتحديد ما إذا كان المقابل يستحق عند إعداد العمل أو تقديمه للمراجعة أو بعد اعتماده نهائيًا، مع بحث سبب عدم اكتمال الاعتماد والجهة التي تتحمل مسؤوليته.

وفي النزاع محل الحكم، كانت قيمة الأعمال الهندسية من المسائل التي دار حولها الخلاف في تقدير الخبرة وتسوية الحسابات، ولم تقبل محكمة النقض أسباب الطعن التي تستهدف إعادة مناقشة التقدير الموضوعي الذي انتهت إليه محكمة الموضوع في هذا الشأن.

والدرس العملي للمقاولين هو ضرورة النص صراحةً على مراحل استحقاق قيمة الرسومات والتصميمات والأعمال التحضيرية، وما إذا كان الاستحقاق يرتبط بالتقديم أو الاعتماد النهائي، مع توثيق كل مرحلة بمستنداتها.

سادسًا: المصروفات والاختبارات والرواتب والمواد المحجوزة تحتاج إلى إثبات مستقل

تضمنت الدعوى المتقابلة مطالبات عن تكاليف اختبارات الأحجار، ورواتب فريق المشروع، ومصروفات أخرى، فضلًا عن المطالبة بالربح الفائت.

وقد أظهرت المناقشات أن مجرد تقديم فواتير أو كشوف مصروفات لا يعني بالضرورة إلزام الطرف الآخر بقيمتها؛ إذ يلزم بحث ما إذا كانت المصروفات تدخل ضمن الالتزامات المتفق عليها، وما إذا كانت قد أُنفقت لحساب المشروع محل النزاع، وما إذا كان الطرف الآخر قد وافق عليها أو التزم بتحملها.

وفيما يتعلق بالاختبارات، تبرز أهمية التمييز بين الاختبارات التي تدخل ضمن نطاق العقد الأصلي، والاختبارات الإضافية التي قد تستلزم تكليفًا أو موافقة مستقلة. كما أن توقيت إجراء الاختبار وتاريخ الفاتورة والموافقة على التكلفة قد تكون عناصر مؤثرة في تقدير الاستحقاق.

أما الرواتب، فإن المطالبة بها تستلزم إثبات ارتباط العاملين بالمشروع تحديدًا، والفترة التي عملوا خلالها، ومدى تخصيصهم للمشروع، والأساس التعاقدي الذي يلزم الطرف الآخر بتحمل هذه التكلفة.

وينطبق الأمر ذاته على المواد التي جرى شراؤها أو حجزها للمشروع؛ إذ ينبغي إثبات علاقتها بالأعمال محل العقد، ومدى اعتماد المخططات التي بُني عليها الشراء، وما إذا كانت التكلفة تدخل في نطاق التزام الطرف الآخر.

وبذلك، فإن نجاح المطالبة المالية يتوقف على تقديم ملف مستندي مترابط يثبت المصروف، وسبب إنفاقه، وارتباطه بالمشروع، والأساس التعاقدي لاسترداده.

سابعًا: الربح الفائت ليس مجرد هامش ربح تقديري

طالب المقاول من الباطن بالتعويض عن الربح الفائت الذي قال إنه كان سيحققه لو استمر تنفيذ العقد.

وهنا يبرز الفارق بين الربح المتوقع حسابيًا، والربح الذي يقوم عليه دليل كافٍ يثبت جدية تحققه لولا الإخلال المدعى به.

ففي النزاع محل الحكم، لم يكن المشروع قد وصل إلى مرحلة توريد وتركيب الحجر، وظل التنفيذ مرتبطًا باستكمال الاعتمادات الفنية واجتياز الاختبارات. واعتبرت المحكمة أن المطالبة المبنية على تقدير داخلي لهامش ربح محتمل لا تكفي، في ظروف النزاع، لإثبات استحقاق التعويض عن الربح الفائت.

ويستفاد من ذلك أن المطالبة بالربح الفائت تحتاج إلى أدلة تتجاوز الحسابات التقديرية المجردة، وأن تُبيّن الأساس الذي يجعل الربح المطالب به جديًا وقابلًا للتحقق، مع إثبات العلاقة بين الإخلال المدعى به وفوات هذا الربح.

ولا يعني ذلك أن الربح الفائت لا يُعوَّض عنه مطلقًا، وإنما أن استحقاقه يتوقف على ثبوت عناصره وأدلته، ولا يُفترض لمجرد إنهاء العقد أو عدم استكمال المشروع.

ثامنًا: التعويض الأدبي للشخص الاعتباري لا يقوم على مجرد الإخلال التعاقدي

رفضت المحكمة طلب التعويض الأدبي المقدم من الشركة، موضحة أن الضرر الأدبي يرتبط، في أصله، بالمساس بالمشاعر أو العواطف أو الكرامة أو الاعتبار وما ينشأ عنه من آلام نفسية، وهي معانٍ لا تتصور بطبيعتها بالنسبة إلى الشخص الاعتباري على النحو الذي تتصور به بالنسبة إلى الشخص الطبيعي.

وبيّنت المحكمة أن الضرر الذي قد يصيب الشركة يمكن أن يتمثل في خسارة مالية أو كسب فائت أو نقص يصيب مركزها التجاري ويترجم إلى ضرر مادي قابل للتعويض متى ثبتت أركانه.

ويؤكد هذا المبدأ أهمية تحديد نوع الضرر المطالب به بدقة، وعدم الخلط بين الضرر الأدبي والضرر المالي أو الضرر الذي يصيب السمعة التجارية متى انعكس على المركز المالي للشركة وثبتت عناصره.

تاسعًا: الفائدة القانونية وتصفية الحسابات بين الطرفين

تناول الحكم كذلك الفائدة القانونية، مستندًا إلى المواد 72 و73 و88 من قانون المعاملات التجارية المشار إليها في أسبابه.

ووفقًا لما أوضحته المحكمة، فإن سريان الفائدة التأخيرية من تاريخ المطالبة القضائية يرتبط بكون مبلغ الدين معلوم المقدار وقت المطالبة، ولو نازع المدين فيه. أما إذا كان تحديد المبلغ متوقفًا على تقدير محكمة الموضوع، فلا تسري الفائدة إلا من تاريخ صيرورة الحكم به نهائيًا.

وفي النزاع محل الحكم، انتهت محكمة الموضوع إلى تصفية الحسابات بين الطرفين، وقضت بإلزام المقاول من الباطن بمبلغ 107,493.73 درهمًا، مع فائدة بواقع 5% سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية حتى السداد التام، في الحدود الواردة بالحكم.

كما أكدت محكمة النقض أن تقدير المصروفات وتوزيعها بين الخصوم يدخل في السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، بحسب ما انتهت إليه من قبول بعض الطلبات ورفض بعضها الآخر وظروف الدعوى.

عاشرًا: ما الذي انتهت إليه محكمة النقض؟

انتهت محكمة نقض أبوظبي إلى رفض الطعنين من الناحية الموضوعية، مع عدم قبول الطعن رقم 983 لسنة 2026 في مواجهة الاستشاري، لعدم قيام خصومة موضوعية بينه وبين الطاعنة بشأن طلبات قُضي له أو عليه فيها.

وبذلك لم تُعد المحكمة فتح جميع عناصر النزاع لمجرد اختلاف أحد الطرفين مع تقدير الخبرة أو النتيجة التي انتهت إليها محكمة الموضوع، ما دام النعي يدور حول مسائل موضوعية تدخل في سلطتها التقديرية ولا يثبت فيها خطأ قانوني موجب للنقض.

الخلاصة: كيف تحمي موقفك القانوني في عقد المقاولة من الباطن؟

يؤكد هذا الحكم أن المنازعات بين المقاول الرئيسي والمقاول من الباطن لا تُحسم بمجرد إثبات توقف المشروع أو إنهاء العقد، وإنما تتطلب تحليلًا دقيقًا لشروط الاتفاق، وتسلسل الاعتمادات الفنية، والمراسلات، والمصروفات، وأسباب التعثر، والأضرار المطالب بالتعويض عنها.

وللحد من مخاطر هذه المنازعات، يُنصح بأن تتضمن عقود المقاولة من الباطن أحكامًا واضحة بشأن:

  1. آلية تسوية النزاعات، وما إذا كانت الوساطة إلزامية أم اختيارية.

  2. مسؤولية كل طرف عن اعتماد المواد والموردين والرسومات والاختبارات.

  3. مراحل استحقاق قيمة الأعمال الهندسية والتصميمات.

  4. شروط الموافقة على المصروفات والاختبارات الإضافية.

  5. إجراءات الإنذار والإخلال والإنهاء والتعاقد مع مقاول بديل.

  6. آلية توثيق الأضرار وفرق أسعار المقاولة والربح الفائت.

  7. طريقة تصفية الحسابات عند انتهاء العقد قبل اكتمال الأعمال.

فكلما كانت الالتزامات محددة، والموافقات موثقة، والمصروفات مرتبطة بالمشروع بمستندات واضحة، أمكن تقليل مساحة النزاع وتقديم مطالبة أو دفاع أكثر قوة أمام القضاء.

تنبيه: يتناول هذا المقال المبادئ المستخلصة من الحكم المشار إليه في حدود وقائعه وأسبابه، ولا يُعد بديلًا عن مراجعة العقد والمستندات وظروف كل نزاع على حدة.




الفرق بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة عقارية مكتملة في دبي: متى يجب اللجوء إلى دائرة الأراضي والأملاك قبل رفع الدعوى؟

 


                                                              

 

 

مقدمة

يُعد تحديد الطبيعة القانونية لعقد بيع الوحدة العقارية من المسائل الجوهرية في المنازعات العقارية بإمارة دبي؛ إذ قد يترتب على وصف البيع بأنه بيع على الخارطة خضوع النزاع لإجراءات خاصة تسبق اللجوء إلى القضاء، بينما يخضع بيع الوحدة العقارية المكتملة، في الحالات التي لا يسري عليها قانون السجل العقاري المبدئي، للقواعد العامة في العقود.

وقد أكدت محكمة التمييز بدبي هذا المبدأ في حكمها الصادر في الطعن العقاري رقم 547 لسنة 2023/458، بجلسة 12 ديسمبر 2023، بعد إعادة نظر الطعن في ضوء قرار الرجوع الصادر بتاريخ 5 مارس 2024. وقرر الحكم أن العبرة في تحديد القانون الواجب التطبيق ليست بمجرد وصف العقد أو المستندات، وإنما بحقيقة التصرف والواقع الفعلي للوحدة العقارية.

وتكمن أهمية الحكم في أنه يضع معيارًا عمليًا للتمييز بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة مكتملة، ويحدد أثر هذا التمييز في قبول الدعوى والإجراءات الواجب اتباعها قبل رفعها.

أولًا: وقائع النزاع

تتلخص وقائع الدعوى في أن شركة عقارية باعت وحدة عقارية إلى مشترين بموجب عقد مؤرخ 7 يونيو 2020، باعتبارها وحدة مكتملة الإنجاز، لقاء ثمن إجمالي قدره 854,888 درهمًا، سدد المشتريان منه مبلغ 285,575 درهمًا، على أن يسدد باقي الثمن على أقساط.

وبعد توقف المشتريين عن سداد الأقساط المستحقة، أخطرتهما الشركة بفسخ العقد وفقًا للبند المتعلق بالتأخر في السداد، ثم أقامت دعوى أمام المحكمة طالبة فسخ العقد، ورد الوحدة وتسليمها إليها، وإلغاء تسجيلها باسم المشتريين وإعادة تسجيلها باسم الشركة، فضلًا عن طلبات مالية وتعويضية أخرى.

قضت محكمة أول درجة بفسخ العقد ورد الوحدة إلى الشركة، إلا أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم وقضت بعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون، على أساس وجوب اتباع الإجراءات الخاصة المنصوص عليها في التشريع المنظم للسجل العقاري المبدئي.

طعنت الشركة على الحكم، وتمسكت بأن البيع انصب على وحدة مكتملة الإنجاز، وأن النزاع يخضع للقواعد العامة في العقود، وليس للإجراءات الخاصة المقررة للبيع على الخارطة.

وانتهت محكمة التمييز إلى صحة هذا النعي، وقررت نقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى، تأسيسًا على أن الوحدة كانت مكتملة الإنجاز قبل رفع النزاع، بما يجعل القواعد العامة هي الواجبة التطبيق وفق ظروف القضية.

ثانيًا: متى يعتبر البيع بيعًا على الخارطة، ومتى يخضع للقواعد العامة؟

قررت محكمة التمييز، استنادًا إلى المبادئ الصادرة عن الهيئة العامة للمحكمة، أن القانون رقم (13) لسنة 2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي في إمارة دبي لا يسري على النزاع المتعلق بوحدة لم يسبق تسجيلها في السجل العقاري المبدئي في حالتين أساسيتين:

الحالة الأولى: اكتمال إنشاء الوحدة قبل بدء النزاع أمام المحاكم.

إذا كانت الوحدة قد اكتمل إنشاؤها قبل إقامة الدعوى، فإن النزاع ينصب على وحدة عقارية مكتملة، ولا يُعد نزاعًا على وحدة لا تزال على الخارطة لمجرد أن العقد أُبرم قبل اكتمال المشروع.

الحالة الثانية: تسجيل الوحدة المتنازع عليها في السجل العقاري خلال أي مرحلة من مراحل التقاضي.

أوضح الحكم أن تسجيل الوحدة في السجل العقاري ينشئ رابطة قانونية ناقلة للملكية لها حجيتها، وهو ما يترتب عليه، في الحالة التي تناولها المبدأ القضائي، عدم سريان القانون المنظم للسجل العقاري المبدئي على النزاع، وخضوعه للقواعد العامة في العقود.

وفي هاتين الحالتين، تكون القواعد العامة للعقود هي المرجع في تحديد حقوق الطرفين والتزاماتهما، وفق التشريعات السارية على النزاع.

ومؤدى ذلك أن مجرد إبرام عقد البيع قبل اكتمال المشروع لا يكفي وحده لاعتبار النزاع بيعًا على الخارطة؛ بل يجب التحقق من حالة الوحدة وقت رفع الدعوى، ومن وضعها في السجلات العقارية.

ثالثًا: العبرة بحقيقة الواقع لا بمسمى العقد أو الشهادة العقارية

من المبادئ المهمة التي أكدها الحكم أن تحديد القانون الواجب التطبيق على التصرف يكون وفق حقيقة المقصود منه والواقع الفعلي، وليس بمجرد الألفاظ أو المسميات الواردة في العقد أو الشهادات الصادرة عن دائرة الأراضي والأملاك إذا كانت لا تعكس حقيقة الوضع.

وهذا المبدأ يمنع الاكتفاء بالوصف الشكلي للمستندات دون فحص الحالة الفعلية للوحدة العقارية.

فقد يكون العقد قد أُبرم في مرحلة سابقة على اكتمال المشروع، إلا أن الوحدة تكون قد اكتملت بالفعل قبل رفع الدعوى. وقد توجد مستندات تسجيل عقاري تختلف في طبيعتها وآثارها، بما يستلزم التحقق من نوع التسجيل وما إذا كان قد تم في السجل العقاري المبدئي وفق النموذج المقرر قانونًا.

وفي النزاع محل الحكم، استندت المحكمة إلى عدة عناصر، منها:

  • الاستعلام العقاري الصادر عن دائرة الأراضي والأملاك، الذي أثبت اكتمال المشروع بتاريخ 5 سبتمبر 2019.

  • تقرير الخبير الذي أثبت تمكين المشتريين من حيازة الوحدة بتاريخ 6 أغسطس 2020.

  • ما ورد بشأن تسجيل الوحدة باسم المشتريين في التاريخ ذاته وفق شهادة بيع مبدئي.

  • خلو الأوراق مما يثبت تسجيل الوحدة في السجل العقاري المبدئي وفق النموذج المعد لذلك.

وبناءً على هذه العناصر، خلصت المحكمة إلى أن عقد البيع المؤرخ 7 يونيو 2020 انصب على وحدة مكتملة الإنجاز قبل قيد الدعوى في 29 سبتمبر 2022.

ومن ثم، فإن العبرة لم تكن بمجرد وصف التسجيل أو طبيعة المشروع، وإنما بحقيقة حالة الوحدة والمستندات التي تثبت ذلك.

رابعًا: هل يجب اللجوء إلى دائرة الأراضي والأملاك قبل رفع دعوى فسخ البيع؟

يتوقف تحديد الإجراء الواجب اتباعه على الطبيعة القانونية للبيع والقانون الذي يحكم النزاع.

ففي الحالات التي يخضع فيها النزاع للإجراءات الخاصة المقررة لعقود البيع على الخارطة بموجب التشريعات المنظمة للسجل العقاري المبدئي، يجب مراعاة تلك الإجراءات قبل اللجوء إلى المحكمة، متى كان القانون يوجب ذلك. وقد يؤدي عدم اتباع الطريق القانوني المقرر إلى الحكم بعدم قبول الدعوى.

أما إذا ثبت أن الوحدة كانت مكتملة الإنجاز قبل رفع الدعوى، وأن النزاع لا يخضع للقانون المنظم للسجل العقاري المبدئي في ضوء المبادئ التي قررها الحكم، فإن النزاع يخضع للقواعد العامة في العقود، ويكون رفع الدعوى بالطريق العادي للتقاضي صحيحًا.

وهنا تظهر أهمية الحكم؛ إذ نقض قضاء عدم قبول الدعوى الذي أقامته محكمة الاستئناف على أساس عدم اتباع الإجراءات الخاصة، بعدما تبين أن الوحدة محل النزاع كانت مكتملة الإنجاز قبل رفع الدعوى.

وبالتالي، لا يجوز افتراض وجوب اتباع إجراءات البيع على الخارطة في كل نزاع عقاري لمجرد أن المشروع كان في الأصل مشروعًا قيد الإنشاء؛ بل يجب أولًا تحديد حالة الوحدة والقانون المنطبق عليها.

خامسًا: تطبيق المبدأ على النزاع محل الحكم

لما كان ما تقدم، وكان الثابت من أوراق الدعوى أن المشروع قد اكتمل إنجازه بتاريخ 5 سبتمبر 2019، وأن عقد البيع أُبرم في 7 يونيو 2020، وأن المشتريين تسلما الوحدة بتاريخ 6 أغسطس 2020، في حين لم تُرفع الدعوى إلا بتاريخ 29 سبتمبر 2022، فإن الوحدة كانت مكتملة قبل إقامة النزاع أمام المحكمة.

كما أن الأوراق لم تثبت تسجيل الوحدة في السجل العقاري المبدئي وفق النموذج المقرر لذلك، الأمر الذي استخلصت منه المحكمة أن النزاع لا يخضع للإجراءات الخاصة التي استند إليها الحكم المطعون فيه.

ومن ثم، فإن تطبيق أحكام القانون رقم (13) لسنة 2008، المعدل بالقانون رقم (19) لسنة 2020، على أساس أن البيع انصب على وحدة مباعة على الخارطة، لم يكن متفقًا مع حقيقة الواقع الثابت بالأوراق.

وانتهت محكمة التمييز إلى أن رفع الشركة دعواها بالطريق العادي للتقاضي قد صادف صحيح القانون، وأن الحكم الذي قضى بعدم قبولها لعدم اتباع الإجراءات الخاصة قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه، بما يوجب نقضه والإحالة.

ومن المهم التنبيه إلى أن الحكم لم يفصل نهائيًا في جميع الطلبات الموضوعية المتعلقة بفسخ العقد أو المبالغ المستحقة؛ وإنما نقض الحكم المطعون فيه وأحال الدعوى، بعد أن حسم المسألة المتعلقة بالطريق الإجرائي الواجب اتباعه.

سادسًا: الأثر العملي للحكم على المشترين والمطورين العقاريين

بالنسبة إلى المطور العقاري

قبل رفع دعوى لفسخ عقد البيع واسترداد الوحدة بسبب إخلال المشتري بالسداد، ينبغي للمطور التحقق من حالة الوحدة العقارية، وتاريخ اكتمالها، ووضعها في السجلات العقارية، ثم تحديد الإجراءات القانونية الواجبة التطبيق.

فاتباع إجراء غير واجب قانونًا قد يؤدي إلى تأخير الفصل في النزاع أو صدور حكم بعدم قبول الدعوى، بينما قد يؤدي إغفال إجراء خاص يوجبه القانون إلى النتيجة ذاتها.

بالنسبة إلى المشتري

لا يكفي التمسك بأن العقد أُبرم على مشروع عقاري كان قيد الإنشاء لإخضاع النزاع تلقائيًا لأحكام البيع على الخارطة؛ بل ينبغي فحص ما إذا كانت الوحدة قد اكتملت قبل رفع الدعوى، وما إذا كانت مسجلة في السجل العقاري المبدئي أو في السجل العقاري وفق الأوضاع القانونية ذات الصلة.

كما يجب التمييز بين اكتمال المشروع ككل واكتمال الوحدة محل النزاع، متى كانت المستندات تثير هذا التمييز، وعدم الاكتفاء بمعلومات عامة عن المشروع.

بالنسبة إلى المحامين والممارسين القانونيين

يبرز الحكم أهمية تأسيس الدفع المتعلق بعدم اتباع الطريق القانوني الصحيح على المستندات التي تثبت الطبيعة الحقيقية للوحدة العقارية، لا على مجرد وصف العقد.

ومن المستندات التي قد تكون مؤثرة في هذا السياق: الاستعلام العقاري، وشهادة التسجيل، وعقد البيع، ومحضر أو مستند تسليم الوحدة، وتقرير الخبير، وما يثبت تاريخ اكتمال الإنجاز.

سابعًا: الخلاصة القانونية

يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي في الطعن العقاري رقم 547 لسنة 2023/458 أن التفرقة بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة مكتملة ليست مسألة شكلية، بل يترتب عليها تحديد القانون الواجب التطبيق والطريق الإجرائي الذي يتعين على الخصوم اتباعه.

فإذا كانت الوحدة قد اكتملت قبل إقامة الدعوى، أو تحقق أحد الاستثناءات التي قررتها المبادئ القضائية بشأن التسجيل، فقد لا يسري القانون المنظم للسجل العقاري المبدئي على النزاع، وتكون القواعد العامة في العقود هي الواجبة التطبيق، وفق ظروف الحالة والتشريعات السارية.

أما إذا كان النزاع خاضعًا فعلًا للإجراءات الخاصة المقررة للبيع على الخارطة، فيجب مراعاة تلك الإجراءات متى أوجبها القانون، وإلا تعرضت الدعوى لخطر عدم القبول.

والقاعدة الأساسية التي يرسخها الحكم هي أن تحديد القانون الواجب التطبيق يبدأ من حقيقة الوضع العقاري وقت النزاع، وليس من مجرد تسمية العقد أو وصف المشروع بأنه بيع على الخارطة.


بيانات الحكم

  • المحكمة: محكمة التمييز بدبي.

  • رقم الطعن: 547 لسنة 2023/458 – طعن عقاري.

  • تاريخ الحكم الأصلي: 12 ديسمبر 2023.

  • إجراء لاحق: صدر قرار بقبول طلب الرجوع وإحالة الطعن إلى دائرة أخرى بتاريخ 5 مارس 2024.

  • موضوع الحكم: التفرقة بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة مكتملة، ومدى سريان قانون السجل العقاري المبدئي، وأثر ذلك على قبول الدعوى والطريق الواجب اتباعه.

عمولة الوساطة العقارية في دبي: هل يستحق الوسيط العمولة إذا لم يكن مرخصًا؟

 






مقدمة

تُعد الوساطة العقارية من الأنشطة المنظمة قانونًا في إمارة دبي، نظرًا لارتباطها بالمعاملات العقارية وما يترتب عليها من حقوق مالية والتزامات تعاقدية. ولا يكفي لاستحقاق عمولة الوساطة أن يثبت الشخص أنه قام بجلب العملاء أو ساهم في إتمام صفقة بيع عقاري، بل يتعين أن يكون نشاطه قد مورس وفقًا للضوابط القانونية المنظمة لمهنة الوساطة العقارية.

وقد أكدت محكمة التمييز بدبي، في حكمها الصادر بتاريخ 21 أغسطس 2025 في الطعن التجاري رقم 445 لسنة 2025/1037، أن ممارسة الوساطة العقارية دون ترخيص، بالمخالفة للقواعد المنظمة للنشاط، تؤدي إلى بطلان اتفاق الوساطة، بما يحول دون مطالبة الوسيط غير المرخص له بالعمولة أو التعويض أو استرداد المصروفات التي تحملها في تنفيذ العمل.

ويكشف هذا الحكم عن مبدأ قانوني بالغ الأهمية، وهو أن الاتفاق على العمولة، ولو كان ثابتًا بين الطرفين، لا يكفي وحده لاستحقاقها متى كان النشاط محل الاتفاق مخالفًا للقواعد الآمرة المنظمة للوساطة العقارية.

أولًا: وقائع الدعوى

تتحصل وقائع النزاع في أن أحد الأشخاص أقام دعوى تجارية أمام محكمة دبي الابتدائية، طالبًا إلزام شركتين بالتضامن بأداء مبلغ قدره 4,000,000 درهم، إضافة إلى الفائدة القانونية بنسبة 9% سنويًا من تاريخ الاستحقاق.

واستند المدعي في دعواه إلى اتفاق مع إحدى الشركتين على جلب عملاء ومشترين لوحدات عقارية تابعة للشركة الأخرى، مقابل عمولة تعادل 50% من الأرباح الناتجة عن الصفقات التي يتم إبرامها.

وتمسك المدعي بأن الاتفاق صحيح وملزم للطرفين، وأنه قام بالعمل المتفق عليه، وأن العمولة أصبحت مستحقة عن الصفقات التي تمت نتيجة جهوده.

وبعد ندب خبير في الدعوى، قضت محكمة أول درجة برفضها، تأسيسًا على أن العمل الذي قام به المدعي يدخل في نطاق الوساطة العقارية، وأنه غير مخول قانونًا بممارسة هذا النشاط، الأمر الذي يجعل الاتفاق مخالفًا للنظام العام وباطلًا بطلانًا مطلقًا.

استأنف المدعي الحكم، إلا أن محكمة الاستئناف قضت برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف. ثم طعن المدعي على الحكم بطريق التمييز، متمسكًا بصحة الاتفاق واستحقاق العمولة، وبأن المحكمة كان يتعين عليها سماع الشهود وإعادة الدعوى إلى الخبير لبحث الصفقات التي تمت نتيجة وساطته.

غير أن محكمة التمييز انتهت إلى رفض الطعن، مؤكدة صحة الأساس القانوني الذي أقيم عليه الحكم المطعون فيه.

ثانيًا: ما الشروط القانونية لاستحقاق عمولة الوساطة العقارية في دبي؟

قررت محكمة التمييز أن عقد السمسرة هو العقد الذي يلتزم بمقتضاه السمسار، في مقابل عمولة معينة، بالعثور على شخص يقبل التعاقد مع عميله، أو بالتفاوض مع شخص معين لإقناعه بإبرام العقد.

إلا أن هذا التعريف لا يعني أن كل من يتوسط في إبرام صفقة عقارية يستحق عمولة بمجرد نجاحه في جلب المشتري أو إتمام التفاوض؛ إذ تخضع الوساطة العقارية في دبي لضوابط تنظيمية خاصة يتعين الالتزام بها.

واستند الحكم إلى أحكام اللائحة رقم (85) لسنة 2006 بشأن تنظيم سجل الوسطاء العقاريين في إمارة دبي، ولا سيما المواد (3) و(15) و(26)، التي تناولت متطلبات ممارسة النشاط وتنظيم عقد الوساطة واستحقاق الأجر.

وبحسب ما قرره الحكم، فإن استحقاق أجر الوساطة العقارية يرتبط بالمتطلبات الآتية:

1. الترخيص بممارسة النشاط

لا يجوز للشخص ممارسة نشاط الوساطة العقارية في إمارة دبي إلا إذا كان مرخصًا له من الجهات المختصة ومقيدًا في السجل المقرر قانونًا.

2. وجود عقد وساطة مكتوب

يتعين أن يكون عقد الوساطة مكتوبًا وفقًا للمتطلبات القانونية المنظمة للنشاط، فلا يكفي مجرد الاتفاق الشفهي على نسبة العمولة أو إثبات وجود تفاهم بين الطرفين.

3. التأشير بعقد الوساطة في سجل العقار

أكد الحكم ضرورة التأشير بعقد الوساطة في سجل العقار لدى دائرة الأراضي والأملاك، باعتباره من المتطلبات التي ربط بها التنظيم القانوني استحقاق أجر الوسيط عند نجاحه في إتمام الصفقة.

وبالتالي، فإن مجرد إثبات قيام الشخص بجلب العملاء أو مساهمته الفعلية في إتمام الصفقة لا يغني عن استيفاء المتطلبات القانونية اللازمة لاستحقاق العمولة.

ثالثًا: هل يكفي إثبات الاتفاق على العمولة لإلزام الشركة بسدادها؟

من أهم المسائل التي تناولها الحكم أن المدعي تمسك بصحة الاتفاق المبرم مع الشركتين، وبأنهما أقرتا بالعلاقة التي نشأت بينهما وبينه، كما طلب سماع الشهود وإعادة الدعوى إلى الخبير لتحديد الصفقات التي تمت نتيجة وساطته.

إلا أن المحكمة لم تعتبر إثبات الاتفاق أو النشاط الذي قام به المدعي كافيًا للحكم له بالمبلغ المطالب به.

فالعبرة ليست فقط بوجود اتفاق على العمولة، وإنما كذلك بمدى مشروعية الاتفاق واستيفائه المتطلبات القانونية التي تنظم ممارسة الوساطة العقارية.

ولما كان نشاط المدعي يتضمن جلب العملاء لشراء وحدات عقارية مقابل عمولة من الأرباح، وكانت الأوراق قد خلت مما يثبت تخويله قانونًا ممارسة الوساطة العقارية، فقد خلصت المحكمة إلى بطلان الاتفاق لمخالفته النظام العام.

ومؤدى ذلك أن الإقرار بوجود الاتفاق لا يصحح اتفاقًا باطلًا لمخالفته القواعد القانونية الآمرة، كما أن إثبات تنفيذ العمل المتفق عليه لا ينشئ، بذاته، حقًا في العمولة إذا كان الاتفاق لا يصلح سندًا قانونيًا للمطالبة بها.

وهذا المبدأ يكتسب أهمية خاصة في الاتفاقات التي تحدد العمولة بنسبة كبيرة من الأرباح، أو التي تتم بين شركات وأشخاص يتولون جلب المستثمرين أو المشترين دون استيفاء متطلبات الترخيص والتنظيم العقاري.

رابعًا: أثر بطلان عقد الوساطة العقارية على المطالبة بالعمولة والتعويض

لم يقتصر الحكم على تقرير بطلان الاتفاق، بل استند إلى المبدأ الذي قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في القرار رقم (1) لسنة 2022، ومؤداه أنه إذا حُكم ببطلان عقد الوساطة، فلا يجوز للسمسار أو الوسيط غير المرخص له ممارسة أعمال الوساطة أن يطالب بأجره أو بالتعويض أو باسترداد المصروفات التي تحملها في تنفيذ العمل المكلف به.

ويترتب على ذلك أن الوسيط الذي يباشر نشاط الوساطة العقارية بالمخالفة للمتطلبات القانونية لا يستطيع تجاوز أثر البطلان بمجرد تغيير صياغة طلباته من المطالبة بالعمولة إلى المطالبة بالتعويض عن جهوده أو استرداد نفقاته.

فإذا كانت المطالبة في حقيقتها ناشئة عن تنفيذ اتفاق وساطة باطل، فإن تغيير وصف المطالبة لا يكفي وحده لتأسيس حق مالي على الاتفاق ذاته.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذه الحالة وبين أي مطالبة أخرى يكون لها أساس قانوني مستقل عن عقد الوساطة الباطل؛ فالحكم محل المقال قرر المبدأ في إطار اتفاق الوساطة والنشاط الذي كان محل النزاع، ولا يصح تعميمه دون فحص طبيعة المطالبة وأساسها القانوني في كل حالة.

خامسًا: لماذا رفضت المحكمة طلب سماع الشهود وإعادة الدعوى إلى الخبير؟

تمسك الطاعن بأن المحكمة أخلت بحقه في الدفاع عندما رفضت سماع الشهود لإثبات الاتفاق على العمولة، كما اعترض على عدم إعادة الدعوى إلى الخبير لبحث الصفقات التي تمت نتيجة وساطته.

غير أن محكمة الاستئناف، التي أيدت محكمة التمييز قضاءها، رأت أن هذه الطلبات لا تؤثر في النتيجة القانونية للدعوى؛ ذلك أن الاتفاق قد ثبت بطلانه لمخالفته النظام العام، وبالتالي فإن إثبات الصفقات التي تمت أو تحديد مقدار العمولة لا يغير من عدم صلاحية الاتفاق أساسًا للمطالبة.

وأكدت محكمة التمييز أن محكمة الموضوع أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق، وكافية لحمل النتيجة التي انتهت إليها، وأن ما أثاره الطاعن لا ينال من سلامة الحكم.

ويُستفاد من ذلك أن طلب إجراء تحقيق أو ندب خبير لا يكون منتجًا في النزاع إذا كانت المسألة القانونية التي حسمتها المحكمة كافية وحدها للفصل في الطلبات، وكان من شأن التحقيق المطلوب ألا يغير النتيجة المترتبة على بطلان الاتفاق.

فالمحكمة ليست ملزمة بإجراء تحقيق في مقدار العمولة أو عدد الصفقات متى كان السند الذي تقوم عليه المطالبة غير صالح قانونًا لإنتاج الأثر الذي يتمسك به المدعي.

سادسًا: ما أهمية الحكم بالنسبة إلى الشركات والأشخاص الذين يجلبون العملاء العقاريين؟

يقدم الحكم رسالة واضحة لكل من الشركات العقارية والأشخاص الذين يتفقون معها على جلب المشترين أو المستثمرين مقابل عمولات.

بالنسبة إلى الشركات العقارية

ينبغي التأكد من أن التعامل مع الوسطاء يتم من خلال أشخاص مرخص لهم ومقيدين وفقًا للمتطلبات القانونية، مع إبرام عقود وساطة مكتوبة واستيفاء إجراءات تسجيلها أو التأشير بها حيثما يوجب القانون ذلك.

كما ينبغي عدم الاكتفاء بالاتفاقات التجارية العامة أو المراسلات التي تحدد نسبة العمولة، دون التحقق من استيفاء المتطلبات التنظيمية اللازمة لممارسة النشاط.

بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتولون جلب العملاء

يتعين قبل البدء في جلب المشترين أو التفاوض بشأن بيع الوحدات العقارية التحقق من أن طبيعة النشاط الذي سيباشرونه لا تدخل في نطاق الوساطة العقارية المنظمة إلا بعد الحصول على الترخيص اللازم واستيفاء بقية المتطلبات القانونية.

فقد يبذل الشخص جهدًا فعليًا في جلب العملاء، وقد تتم الصفقة بالفعل نتيجة هذا الجهد، ومع ذلك لا يتمكن من تحصيل العمولة إذا كان الاتفاق باطلًا بسبب مخالفة القواعد المنظمة للنشاط.

بالنسبة إلى صياغة عقود العمولة

لا ينبغي أن تقتصر مراجعة العقد على تحديد نسبة العمولة وطريقة حسابها وموعد استحقاقها؛ بل يجب أن تشمل التحقق من مشروعية النشاط ذاته، وصفة القائم به، ومدى استيفاء متطلبات الترخيص والقيد والكتابة والتأشير المقررة قانونًا.

سابعًا: الخلاصة القانونية للحكم

أكدت محكمة التمييز بدبي، في حكمها الصادر بتاريخ 21 أغسطس 2025 في الطعن التجاري رقم 445 لسنة 2025/1037، أن ممارسة الوساطة العقارية في دبي تخضع لمتطلبات قانونية آمرة، وأن مخالفتها قد تؤدي إلى بطلان عقد الوساطة بطلانًا مطلقًا لمخالفته النظام العام.

كما أكد الحكم، استنادًا إلى القرار رقم (1) لسنة 2022 الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، أن الوسيط غير المرخص له، متى حُكم ببطلان عقد الوساطة، لا يجوز له المطالبة بالعمولة أو التعويض أو استرداد المصروفات التي تحملها في تنفيذ العمل محل الاتفاق.

ولذلك، فإن وجود اتفاق على العمولة، أو ثبوت جلب العملاء، أو نجاح الصفقات العقارية، لا يكفي وحده لضمان استحقاق المقابل المالي إذا كان النشاط قد مورس بالمخالفة للضوابط القانونية.

والقاعدة العملية المستفادة من الحكم هي أن مشروعية ممارسة الوساطة العقارية تسبق بحث استحقاق العمولة؛ فلا جدوى من إثبات مقدار الأجر أو عدد الصفقات إذا كان الاتفاق الذي تستند إليه المطالبة باطلًا لمخالفته النظام العام.


بيانات الحكم

  • المحكمة: محكمة التمييز بدبي.

  • رقم الطعن: 445 لسنة 2025/1037 – طعن تجاري، وفق بيانات الحكم المرفق.

  • تاريخ الجلسة: 21 أغسطس 2025.

  • موضوع الحكم: الوساطة العقارية، شروط استحقاق العمولة، الترخيص والقيد، بطلان عقد الوساطة المخالف للنظام العام، وأثر البطلان على المطالبة بالأجر والتعويض والمصروفات.

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...