مقدمة
يمثل فسخ عقد البيع على الخارطة بسبب إخلال المشتري بسداد الأقساط أحد الموضوعات المهمة في المنازعات العقارية بإمارة دبي، لما يترتب عليه من آثار تمس ملكية الوحدة العقارية، والمبالغ المسددة من المشتري، وحقوق المطور العقاري في استرداد الوحدة وإعادة التصرف فيها.
ولم يترك المشرّع تنظيم هذه المسألة لإرادة المطور العقاري وحدها، بل وضع إطارًا إجرائيًا يوازن بين حق المطور في مواجهة المشتري المتخلف عن السداد، وحق المشتري في العلم بالإجراءات الموجهة إليه، والاعتراض عليها، واسترداد المبالغ المستحقة له وفق الضوابط المعتمدة.
وفي هذا السياق، صدر قرار دائرة الأراضي والأملاك في دبي رقم (102) لسنة 2024، بتاريخ 3 يونيو 2024، لتنظيم إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة، وإصدار شهادة اتباع إجراءات الفسخ، والوثيقة التي تثبت صحة الإجراءات المتخذة أمام الدائرة.
ويكتسب القرار أهمية عملية خاصة؛ إذ يحدد الإجراءات التي يتعين على المطور اتباعها قبل فسخ عقد البيع على الخارطة، والمستندات اللازمة لتقديم طلب الفسخ، والضوابط المتعلقة باعتراض المشتري، ونسب الخصم من قيمة الوحدة، والحالات التي يتعين فيها وقف إجراءات الفسخ.
أولًا: ما المقصود بفسخ عقد البيع على الخارطة بالإرادة المنفردة؟
يقصد بالفسخ بالإرادة المنفردة، في نطاق القرار، الإجراءات التي يتخذها المطور العقاري لإنهاء عقد بيع وحدة عقارية على الخارطة بسبب إخلال المشتري بالتزامه بسداد الأقساط المستحقة في المواعيد المحددة بالعقد، وذلك وفق المسار الإجرائي المنظم أمام دائرة الأراضي والأملاك.
ولا يعني ذلك أن للمطور سلطة مطلقة في إنهاء العقد أو إلغاء تسجيل الوحدة دون ضوابط؛ بل يتعين عليه إثبات إخلال المشتري، واستيفاء إجراءات الإنذار والإخطار، وتقديم المستندات المطلوبة، والخضوع للتحقق الذي تجريه الدائرة بشأن التزامات الطرفين.
ومن ثم، فإن تأخر المشتري عن السداد لا يغني المطور عن اتباع الإجراءات المقررة، كما أن مجرد إرسال إخطار بالفسخ لا يعني بالضرورة اكتمال جميع المتطلبات اللازمة لإصدار الوثيقة وإلغاء تسجيل الوحدة.
ثانيًا: إنذار المشتري ومنحه مهلة ثلاثين يومًا للسداد
نظمت المادة الأولى من القرار إجراءات الإنذار الواجب على المطور العقاري اتباعها عند إخلال المشتري بسداد الأقساط المستحقة عن وحدة مباعة على الخارطة في مشروع عقاري فعال.
ويتعين على المطور إرسال الإنذار وفق النموذج المعتمد لدى دائرة الأراضي والأملاك، إلى العنوان المسجل في عقد البيع أو في استمارة تعديل بيانات المشتري المقدمة من المطور.
ويتم إرسال الإنذار بواسطة الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني أو البريد المسجل، أو أي وسيلة أخرى تحددها الدائرة. ويعتبر الإنذار منتجًا لآثاره من تاريخ إرسال الرسالة النصية أو البريد الإلكتروني، أو من تاريخ علم الوصول بالنسبة إلى البريد المسجل.
ويجب أن يتضمن الإنذار البيانات الأساسية التي حددها القرار، ومنها:
بيانات المطور العقاري والبائع، إن كان مختلفًا عن المطور.
بيانات المشتري وعنوانه ووسائل الاتصال به.
بيانات المشروع والوحدة العقارية وموقعها ونوعها.
نسبة إنجاز المشروع، ونسبة إنجاز الوحدة عند الاقتضاء.
الأقساط التي سددها المشتري وتواريخ السداد.
الأقساط المستحقة وتواريخ استحقاقها، دون إضافة رسوم أو غرامات يفرضها المطور.
رقم حساب الضمان واسم أمين حساب الضمان.
وبموجب المادة الأولى، يلتزم المشتري بسداد المبلغ المستحق كاملًا خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإنذار، في حساب ضمان المشروع العقاري أو في حساب المطور إذا كان المشروع قد اكتمل، مع إخطار المطور بالسداد بالوسائل المحددة في القرار.
وتبرز هنا أهمية مراجعة الإنذار من الناحيتين الشكلية والموضوعية؛ فلا يكفي إثبات وجود متأخرات، بل ينبغي أيضًا التحقق من بيانات الإنذار، ومقدار المبلغ المطالب به، ووسيلة إرساله، ومدى مطابقته لمتطلبات القرار.
ثالثًا: لا يجوز تقديم طلب الفسخ إلى الدائرة قبل استيفاء المستندات المطلوبة
إذا لم يسدد المشتري المبلغ المستحق خلال المهلة المحددة، يجوز للمطور البدء في إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة بتقديم طلب إلى دائرة الأراضي والأملاك، بشرط استيفاء المستندات المحددة في المادة الثانية.
وتشمل هذه المستندات، بحسب الأحوال:
عقد بيع الوحدة العقارية على الخارطة كاملًا.
وثيقة سفر المشتري، أو الرخصة التجارية إذا كان المشتري شخصًا اعتباريًا.
الإنذار المرسل إلى المشتري، مع ما يثبت الإرسال والاستلام وفق الإجراءات المعتمدة.
التقرير الفني الصادر من إدارة المساحة بالدائرة بالنسبة إلى المشاريع الفعالة المكونة من عدة مبانٍ أو فلل.
ما يثبت سداد رسوم تسجيل الوحدة إذا كانت النسبة المدفوعة 40% فأكثر، مع بيان بيانات الوحدة.
المستندات المتعلقة بالمبالغ المودعة في حساب الضمان، وفق ما يحدده القرار.
ما يثبت العلاقة بين المطور والبائع أو شركة الوساطة، عند اختلاف الجهات ذات الصلة بعملية البيع.
المستندات اللازمة عند تغيير المطور أو اسم المشروع، أو تغيير عنوان المشتري.
ما يثبت إشعار المشتري بنسبة إنجاز المشروع أو بتمام إنجازه.
تحديد نسبة الأقساط المستحقة وفق جدول الدفعات المتفق عليه في العقد.
وتتحقق الدائرة، بعد استلام الطلب مستوفيًا المستندات والرسوم، من صحة إخلال المشتري بالتزاماته وعدم سداد الأقساط المستحقة، وكذلك من التزام المطور بتنفيذ التزاماته التعاقدية.
فإذا ثبت الإخلال، تعتمد الدائرة طلب الفسخ وترسل إلى المطور إخطار الفسخ بالإرادة المنفردة المعتمد وفق النموذج المقرر. أما إذا لم يستوف المطور المتطلبات أو لم يسدد الرسوم المستحقة، فيجوز رفض الطلب، مع جواز إعادة تقديمه بعد استكمال النواقص.
والنتيجة أن إجراءات الفسخ لا تقوم على ادعاء المطور وحده، وإنما تخضع للتحقق من الإخلال واستيفاء المستندات والالتزامات المطلوبة.
رابعًا: حق المشتري في الاعتراض على إجراءات الفسخ
منح القرار المشتري وسيلة للاعتراض على إجراءات الفسخ؛ إذ يتعين على المطور، بعد استلام إخطار الفسخ المعتمد من الدائرة، إبلاغ المشتري به وفق الوسائل والعناوين المحددة.
وإذا تعذر إخطار المشتري لعدم وجود عنوان واضح له في عقد البيع أو لدى المطور، نظم القرار اللجوء إلى الإعلان في صحيفة يومية واسعة الانتشار تصدر في الدولة باللغة العربية، وفي صحيفة أخرى بلغة أجنبية إذا كان المشتري أجنبيًا.
وبموجب المادة الثانية، يجوز للمشتري إبداء اعتراضه على إجراءات الفسخ وفق النموذج المعتمد لدى الدائرة خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الإخطار، وتتولى الدائرة التحقق من جدية أسباب الاعتراض.
وتكتسب هذه المهلة أهمية بالغة؛ إذ ينبغي للمشتري الذي ينازع في صحة الفسخ أن يبادر إلى تقديم اعتراضه مدعومًا بالمستندات التي تثبت وجه اعتراضه، سواء تعلق الأمر بالسداد، أو بصحة احتساب الأقساط، أو بالتزامات المطور، أو بأي سبب جدي آخر يتعلق بالإجراءات محل الاعتراض.
ولا ينبغي للمشتري أن يتعامل مع إخطار الفسخ باعتباره مجرد إجراء شكلي؛ بل يتعين عليه مراجعة العقد وكشوف الحساب والمراسلات والإيصالات والمستندات الفنية ذات الصلة، وتحديد أسباب الاعتراض بوضوح.
خامسًا: متى تتوقف الدائرة عن نظر طلب الفسخ وتصدر شهادة اتباع الإجراءات؟
نظمت المادة الثالثة من القرار مسألة التسوية الودية بين المطور العقاري والمشتري، وأوجبت على الدائرة بذل مساعي التسوية متى أمكن ذلك.
فإذا توصل الطرفان إلى تسوية، يتم إثباتها بموجب ملحق عقد أو اتفاقية موقعة بينهما، وتلحق بمحضر التسوية، ويُثبت محتواها فيه، ثم تعتمدها الدائرة.
أما إذا قدم المشتري اعتراضات جدية في مواجهة المطور، فعلى الدائرة التوقف عن نظر طلب الفسخ ومنح المطور شهادة اتباع إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة وفق النموذج المعتمد.
وتظهر أهمية هذه الشهادة في أنها توثق اتباع الإجراءات أمام الدائرة، وتتيح للمطور إقامة دعواه مباشرة أمام القضاء في الحالات التي نص عليها القرار، بدلًا من استمرار إجراءات الفسخ الإداري رغم وجود اعتراضات جدية تستلزم الفصل القضائي.
ومن المهم التمييز بين شهادة اتباع إجراءات الفسخ والوثيقة بصحة إجراءات الفسخ؛ فلكل منهما وظيفة مختلفة ضمن المسار الإجرائي الذي رسمه القرار، ولا يصح اعتبارهما مستندًا واحدًا أو افتراض أن صدور الشهادة وحده يؤدي تلقائيًا إلى إلغاء تسجيل الوحدة.
سادسًا: نسب الخصم من قيمة الوحدة عند استكمال إجراءات الفسخ
حددت المادة الرابعة الضوابط المتعلقة بطلب إصدار الوثيقة والخصم من قيمة الوحدة العقارية، وربطت الحد الأقصى للخصم بنسبة إنجاز المشروع العقاري.
ووفقًا للنص الوارد في القرار:
إذا تجاوزت نسبة إنجاز المشروع 80%، يجوز للمطور تقديم طلب الخصم بما لا يزيد على 40% من قيمة الوحدة.
إذا تجاوزت نسبة إنجاز المشروع 60% ولم تتجاوز 80%، يجوز طلب الخصم بما لا يزيد على 40% من قيمة الوحدة.
إذا كانت نسبة الإنجاز 60% أو أقل، يكون الحد الأقصى للخصم 25% من قيمة الوحدة.
وللدائرة تحديد نسبة الخصم المقررة للمطور عند نظر طلب إصدار الوثيقة؛ ومن ثم فإن النسب المشار إليها تمثل حدودًا قصوى وفق فئات الإنجاز، وليست مبالغ تخصم تلقائيًا في جميع الحالات.
كما أوجب القرار على المطور إيداع شيك مصرفي معتمد لصالح المشتري بقيمة المبلغ المتبقي المستحق له من قيمة الوحدة، وفق الإجراءات المعتمدة لدى الدائرة، وتقديم ما يثبت الإيداع.
وتكمن أهمية هذا التنظيم في أنه يربط استكمال إجراءات الفسخ بتحديد المبلغ المسترد للمشتري، بدلًا من الاقتصار على إنهاء العلاقة التعاقدية دون تسوية مالية واضحة.
سابعًا: إصدار وثيقة صحة إجراءات الفسخ وإلغاء تسجيل الوحدة
بموجب المادة الخامسة، تصدر الدائرة الوثيقة بصحة إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة بعد إيداع الشيك لصالح المشتري.
وتتضمن الوثيقة بيانات جوهرية، منها التزام المطور بالإجراءات المنصوص عليها، ونسبة إنجاز المشروع والوحدة وفق المعايير المعتمدة، ونسبة الخصم المقررة، وقيمة المبلغ المسترد للمشتري، وتاريخ إلغاء تسجيل الوحدة باسم المشتري وتاريخ إعادة تسجيلها باسم المطور أو مشترٍ آخر، بحسب الأحوال.
وبعد إشعار المشتري بصدور الوثيقة، يتعين عليه مراجعة الدائرة لاسترجاع المبلغ المتبقي المستحق له وفق القواعد والإجراءات المعتمدة، وذلك وفق المادة السادسة.
ويؤكد هذا التنظيم أن إلغاء تسجيل الوحدة واسترداد المشتري للمبلغ المتبقي يرتبطان باستكمال الإجراءات المحددة، وليس بمجرد إرسال إنذار أو إعلان المطور رغبته في فسخ العقد.
ثامنًا: حالات تمنع الاستمرار في إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة
وضعت المادة السابعة قيودًا على استمرار الدائرة في إجراءات الفسخ وإصدار الوثيقة، وأوجبت التوقف في حالات محددة، منها:
ثبوت عدم إخلال المشتري بالتزاماته.
ثبوت قيد المشتري دعوى في مواجهة المطور، أو صدور حكم قضائي لصالح المشتري بشأن الوحدة العقارية.
ثبوت إخلال المطور بالتزاماته من خلال تغيير مواصفات جوهرية في الوحدة، ومنها وجود نقص في مساحة الوحدة يزيد على 5% أو ثبوت تغيير طبيعة استعمالها.
ثبوت أن المشتري قاصر أو ناقص الأهلية أو فاقدها.
ثبوت وفاة المشتري.
وفي هذه الحالات، تمنح الدائرة المطور شهادة اتباع إجراءات الفسخ بالإرادة المنفردة، لتمكينه من إقامة دعواه مباشرة أمام القضاء.
وتكشف هذه الأحكام عن أن مسار الفسخ الإداري ليس طريقًا مطلقًا لتجاوز النزاع القضائي؛ فإذا ظهرت إحدى الحالات التي نص عليها القرار، وجب وقف السير في الإجراءات الإدارية على النحو المحدد فيه، مع بقاء الفصل في النزاع من اختصاص القضاء وفقًا للقواعد الواجبة التطبيق.
تاسعًا: أهم الآثار العملية للقرار على المطور والمشتري
بالنسبة إلى المطور العقاري
يتعين على المطور التأكد من صحة احتساب الأقساط المتأخرة، وإرسال الإنذار وفق النموذج والوسائل المحددة، ومنح المشتري المهلة المقررة، وتجهيز المستندات الفنية والتعاقدية والمالية المطلوبة.
كما ينبغي له التحقق من تنفيذ التزاماته التعاقدية؛ لأن الدائرة لا تقتصر على فحص إخلال المشتري، بل تتحقق أيضًا من التزام المطور بما يفرضه عليه العقد.
بالنسبة إلى المشتري
ينبغي للمشتري الاحتفاظ بإيصالات السداد وكشوف الحساب والمراسلات المتعلقة بالأقساط والمشروع، ومراجعة تفاصيل الإنذار فور استلامه، وعدم تفويت مهلة الاعتراض المقررة.
وإذا كان الاعتراض قائمًا على إخلال المطور أو عدم صحة المبالغ المطالب بها أو وجود نزاع قضائي بشأن الوحدة، فينبغي دعمه بالمستندات والأدلة ذات الصلة، مع مراعاة الإجراءات والمواعيد المحددة في القرار.
خاتمة
يضع القرار رقم (102) لسنة 2024 إطارًا إجرائيًا منظمًا لفسخ عقود البيع على الخارطة بالإرادة المنفردة في دبي، ويحدد مراحل تبدأ بإنذار المشتري ومنحه مهلة للسداد، ثم تقديم طلب الفسخ والتحقق من المستندات والالتزامات، مرورًا بإتاحة الاعتراض والتسوية الودية، وانتهاءً بإصدار الوثيقة وإلغاء تسجيل الوحدة وتسوية المبالغ المستحقة.
وتتمثل أهم رسالة عملية في أن فسخ عقد البيع على الخارطة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد إخطار يصدره المطور، بل إجراء منظم تحكمه متطلبات محددة تتعلق بالإخلال التعاقدي، والإخطار، والتحقق، والاعتراض، والتسوية المالية.
ولذلك، فإن تقييم صحة إجراءات الفسخ في أي نزاع عقاري يتطلب فحص عقد البيع، وجدول الأقساط، والإنذار، والمستندات الفنية، وحالة المشروع، والمبالغ المسددة والمستحقة، وأي اعتراض أو دعوى قضائية قائمة، مع الرجوع إلى النصوص والقرارات السارية على الحالة محل النزاع.
هذا المقال شرح قانوني للقرار رقم (102) لسنة 2024 استنادًا إلى نصه المرفق، ولا يغني عن مراجعة التشريعات اللاحقة أو المستندات الخاصة بكل حالة على حدة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق