هل تستطيع تسمية العقد أن تغيّر حقيقته؟
«اتفاقية امتياز» أم «عقد إيجار»؟ حكم حديث لمحكمة تمييز دبي يحسم المسألة
بيانات الحكم:
محكمة التمييز بدبي – الطعن رقم 27 لسنة 2026 طعن تجاري – جلسة 29 يناير 2026
مقدمة
هل يكفي أن يكتب المتعاقدان على غلاف العقد عبارة «اتفاقية امتياز» حتى يصبح العقد قانونًا عقد امتياز؟
وماذا لو كان مضمون العقد يقول شيئًا آخر تمامًا؟
هل تستطيع المحكمة أن تتجاهل اسم العقد وتنظر إلى حقيقة العلاقة بين الطرفين؟ والأهم من ذلك: هل يمكن أن يؤدي هذا التكييف إلى تغيير المحكمة المختصة بنظر النزاع؟
هذه الأسئلة كانت محور حكم مهم لمحكمة التمييز بدبي في الطعن رقم 27 لسنة 2026 طعن تجاري، جلسة 29 يناير 2026، في نزاع بدأ بسبب كشك داخل فندق، وانتهى إلى بحث مسألة جوهرية جدًا: هل العبرة باسم العقد أم بحقيقته؟
والإجابة التي قررتها المحكمة تحمل أهمية عملية كبيرة لكل من يقوم بصياغة أو مراجعة العقود.
أولًا: القصة بدأت بعقد اسمه «اتفاقية امتياز»
أبرم أحد الفنادق في دبي عقدًا مع شركة لتشغيل كشك داخل ردهة الفندق لممارسة نشاط الوساطة العقارية.
وقد أطلق الطرفان على العقد اسم:
«اتفاقية امتياز»
وبموجب العقد تم تمكين الشركة من الانتفاع بالكشك وممارسة نشاطها التجاري فيه، مقابل المقابل المالي المتفق عليه.
وبعد فترة، قرر الفندق إنهاء العلاقة، مستندًا إلى أحد بنود العقد الذي يسمح له بإنهائه بإخطار مسبق.
وبالفعل وجه الفندق إلى الشركة إخطارًا بإنهاء العقد بتاريخ 22 أبريل 2025، وطالبها بإخلاء الكشك.
لكن الشركة لم تستجب.
ثانيًا: الفندق يرفع دعوى بـ 7.5 مليون درهم
لم يجد الفندق أمامه إلا اللجوء إلى القضاء.
فأقام دعوى أمام محكمة دبي الابتدائية طالب فيها بإنهاء الاتفاقية وإخلاء الشركة من الكشك، بالإضافة إلى تعويض قدره:
7,500,000 درهم
مع الفائدة القانونية والمصروفات.
وهنا لم يكن النزاع حول الإخلاء والتعويض فقط.
ظهرت مسألة أخطر:
هل محاكم دبي أصلًا هي المختصة بنظر هذه الدعوى؟
ثالثًا: أول مفاجأة.. المحكمة قالت: أنا غير مختصة
محكمة أول درجة لم تدخل في موضوع النزاع.
بل قضت بتاريخ 29 سبتمبر 2025 بعدم اختصاصها ولائيًا بنظر الدعوى، وأحالتها إلى مركز فض المنازعات الإيجارية في دبي.
بمعنى أبسط:
المحكمة قالت:
«هذا النزاع في حقيقته نزاع إيجاري، وبالتالي ليس من اختصاص المحاكم العادية، وإنما مركز فض المنازعات الإيجارية.»
لكن الفندق لم يقبل بهذا الكلام.
رابعًا: محكمة الاستئناف قالت العكس!
الفندق استأنف الحكم.
ومحكمة الاستئناف قضت بتاريخ 16 ديسمبر 2025 بإلغاء الحكم الذي قضى بعدم الاختصاص، وقررت أن محاكم دبي مختصة بنظر الدعوى، وأعادت القضية إلى محكمة أول درجة للفصل في الموضوع.
وهنا انتقلت المعركة إلى محكمة التمييز بدبي.
خامسًا: هنا ظهر السؤال الحقيقي: ما هو العقد أصلًا؟
أمام محكمة التمييز، تمسك الخصوم بأن الكشك ليس عقارًا، وأن العلاقة ليست علاقة إيجارية، وإنما هي علاقة ناشئة عن اتفاقية امتياز.
لكن محكمة التمييز لم تتعامل مع الأمر بهذه البساطة.
فالمحكمة لم تسأل فقط:
«ماذا سمى الطرفان العقد؟»
بل سألت:
«ما حقيقة العلاقة التي أنشأها العقد بين الطرفين؟»
وهذه النقطة هي مفتاح الحكم كله.
سادسًا: المحكمة قالت: العبرة بحقيقة العقد وليس بعنوانه
قررت محكمة التمييز أن العبرة في تكييف العلاقة القانونية بين الطرفين بحقيقة ما اتجهت إليه إرادتهما ومضمون العقد، وليس بالوصف أو الاسم الذي أطلقه المتعاقدان عليه.
وبتطبيق ذلك على الواقعة، وجدت المحكمة أن الفندق:
- مكّن الشركة من الانتفاع بالكشك؛
- لمدة محددة؛
- مقابل بدل مالي معلوم؛
- لاستخدامه في ممارسة نشاط تجاري.
وهذه العناصر في حقيقتها تكشف عن علاقة إيجارية.
فكون الطرفين أطلقا على العقد اسم «اتفاقية امتياز» لا يمنع المحكمة من إعطائه التكييف القانوني الصحيح.
سابعًا: طيب.. هل الكشك عقار أم منقول؟
هنا دخلت القضية في نقطة قانونية أكثر دقة.
كان هناك دفاع مؤداه أن الكشك يمكن فكه ونقله، وبالتالي فهو منقول وليس عقارًا.
لكن المحكمة لم تكتفِ بالنظر إلى إمكانية الفك والنقل.
فبحثت في علاقة الكشك بالعقار الأصلي والغرض من تخصيصه.
وثبت من الأوراق أن مالك الفندق هو الذي أنشأ الكشك على عقاره، وجعله لخدمة الفندق واستغلاله تجاريًا، وأنه مخصص بصورة مستقرة لهذا الغرض.
ومن هنا اعتبرت المحكمة أنه يأخذ حكم العقار بالتخصيص.
ثامنًا: ما معنى «العقار بالتخصيص» بالبلدي؟
يعني ببساطة:
ليس كل شيء يمكن فكه ونقله يعتبر بالضرورة منقولًا في كل الأحوال.
فقد يكون الشيء في الأصل قابلًا للفك، ولكن إذا قام مالك العقار بتخصيصه لخدمة العقار واستغلاله بصورة مستقرة، فقد يأخذ حكم العقار بالتخصيص بحسب الظروف والنصوص القانونية ذات الصلة.
وفي هذه القضية، رأت المحكمة أن الكشك أنشئ لخدمة الفندق واستغلاله تجاريًا، ولذلك أخذ حكم العقار بالتخصيص.
تاسعًا: وهنا تغير الاختصاص القضائي بالكامل
بعد أن أعادت المحكمة تكييف العلاقة باعتبارها علاقة إيجارية، أصبحت النتيجة واضحة.
فالنزاع يتعلق:
بمؤجر ومستأجر + عقار في دبي + علاقة إيجارية.
وبالتالي فإن الاختصاص ينعقد لمركز فض المنازعات الإيجارية، باعتباره الجهة المختصة حصريًا بالمنازعات الإيجارية التي تنشأ بين المؤجرين والمستأجرين بشأن العقارات الواقعة في إمارة دبي.
أي أن المسألة لم تعد مجرد خلاف حول اسم العقد.
بل أصبح اسم العقد نفسه غير حاسم في تحديد الجهة القضائية المختصة.
عاشرًا: محكمة التمييز تنقض حكم الاستئناف
لما وصلت المحكمة إلى أن حقيقة العلاقة إيجارية، وأن النزاع يدخل في اختصاص مركز فض المنازعات الإيجارية، انتهت إلى أن محكمة الاستئناف أخطأت عندما قضت باختصاص محاكم دبي.
فقضت محكمة التمييز:
بنقض الحكم المطعون فيه.
ثم فصلت في الاستئناف على النحو المبين بالحكم، مع تأكيد عدم اختصاص محاكم دبي العادية بنظر النزاع.
الحادي عشر: قاعدة مهمة للمحامين عند صياغة العقود
هذا الحكم يقدم درسًا مهمًا جدًا في صياغة العقود:
لا تعتمد على عنوان العقد وحده.
فإذا كان العقد يسمى:
اتفاقية امتياز
فهذا لا يعني بالضرورة أن المحكمة ستتعامل معه كعقد امتياز.
وإذا كان يسمى:
اتفاقية استثمار
فقد ترى المحكمة أن حقيقته إيجار.
وإذا كان يسمى:
ترخيصًا بالانتفاع
فقد تكشف بنوده عن علاقة قانونية مختلفة.
العبرة في النهاية بحقيقة العلاقة ومضمون الالتزامات المتبادلة بين الطرفين.
الثاني عشر: لماذا هذا الحكم مهم؟
لأن الخطأ في تسمية العقد قد لا يكون مجرد خطأ في المصطلحات.
قد يؤدي إلى نتائج قانونية وعملية مهمة، منها:
- تحديد طبيعة الحقوق والالتزامات.
- تحديد القواعد القانونية التي تحكم العلاقة.
- تحديد الجهة القضائية المختصة.
- تحديد الإجراءات التي يجب اتباعها.
- تحديد ما إذا كانت المنازعة تدخل في اختصاص جهة قضائية متخصصة.
وفي هذه القضية تحديدًا، أدى تكييف العلاقة باعتبارها إيجارًا إلى خروج النزاع من اختصاص محاكم دبي العادية ودخوله في اختصاص مركز فض المنازعات الإيجارية.
الخلاصة
قد يكتب المتعاقدان على العقد:
«اتفاقية امتياز».
لكن المحكمة قد تقول:
«أنا لا أنظر إلى الاسم فقط.. أنا أنظر إلى حقيقة العلاقة.»
فإذا وجدت أن العقد في حقيقته يتضمن تمكين شخص من الانتفاع بعقار معين لمدة محددة مقابل بدل معلوم، فقد تعطي العلاقة التكييف القانوني لعقد الإيجار، حتى لو أطلق الطرفان عليها اسمًا آخر.
وفي الحكم محل المقال، لم يتوقف الأمر عند مجرد تغيير وصف العقد، وإنما ترتب عليه تحديد الجهة القضائية المختصة، حيث انتهت محكمة التمييز إلى أن النزاع من المنازعات الإيجارية التي يختص بها مركز فض المنازعات الإيجارية في دبي.
القاعدة الذهبية
«العبرة بحقيقة العقد ومضمونه، لا بالاسم الذي يطلقه المتعاقدان عليه.»
وبعبارة تصلح أن تكون خاتمة المقال:
قبل أن تسأل: ماذا سمى الطرفان العقد؟ اسأل أولًا: ماذا أنشأ العقد فعلًا؟
محكمة التمييز بدبي – الطعن رقم 27 لسنة 2026 طعن تجاري – جلسة 29 يناير 2026.








