مبدأ قضائي مهم في تقدير قيمة الدعوى ونصاب الطعن
أثار حكم حديث للهيئة العامة في إحدى دوائر محاكم أبوظبي مسألة بالغة الأهمية تتعلق بكيفية تقدير قيمة الدعوى عند تعدد المطالبات، ولا سيما عندما يقوم المدعي بجمع عدد كبير من المطالبات في صحيفة دعوى واحدة، ثم يتعامل معها باعتبار أن مجموع قيمتها يمثل قيمة دعوى واحدة.
وتبرز أهمية هذا المبدأ في أن تحديد قيمة الدعوى لا يرتبط بالرسوم القضائية فقط، وإنما قد يترتب عليه تحديد نصاب الاستئناف أو الطعن بالنقض، ومن ثم تحديد ما إذا كان الحكم قابلاً للطعن من عدمه.
أولاً: الأصل هو استقلال كل مطالبة عن الأخرى
قررت الهيئة أن تعدد الطلبات لا يعني بالضرورة أنها تشكل مطالبة واحدة، فالعبرة بالسبب القانوني الذي تستند إليه هذه الطلبات.
فإذا كانت هناك عدة مطالبات، وكانت كل مطالبة ناشئة عن واقعة مستقلة وسبب قانوني مختلف، فإن كل مطالبة تكون مستقلة عن الأخرى، ويتعين تقدير قيمة كل منها على حدة.
وبالتالي، لا يستطيع المدعي أن يجمع مبالغ المطالبات المختلفة في مبلغ إجمالي واحد، لمجرد أنه أدرجها جميعاً في صحيفة دعوى واحدة.
فـوحدة صحيفة الدعوى لا تعني بالضرورة وحدة الدعوى من الناحية القانونية.
ثانياً: الاستثناء – وحدة السبب القانوني
أما إذا كانت المطالبات المتعددة ناشئة عن سبب قانوني واحد، فإنها تعتبر في مفهوم تقدير قيمة الدعوى طلباً واحداً، ويُعتد بمجموع قيمتها.
وهنا تظهر أهمية التفرقة بين:
تعدد المطالبات من الناحية الحسابية
وبين
تعددها من الناحية القانونية.
فقد تكون أمام المحكمة عدة مبالغ أو بنود مالية، ولكنها جميعاً تستند إلى مصدر قانوني واحد، وفي هذه الحالة يمكن أن تكون العبرة بمجموعها.
ثالثاً: الاتفاق المسبق بين الأطراف وأثره في وحدة المطالبات
ومن أهم ما يلفت النظر في هذا المبدأ أن الاتفاق السابق بين الأطراف قد يكون له أثر في تحديد طبيعة المطالبات ومدى اعتبارها وحدة واحدة.
فإذا كان هناك عقد أو اتفاق سابق بين الطرفين نظم الحقوق والالتزامات محل المطالبة على نحو يجعلها ناشئة عن رابطة تعاقدية واحدة، فإن المحكمة لا تقف عند مجرد تعدد البنود أو المبالغ، وإنما تنظر إلى حقيقة العلاقة القانونية التي أنشأها الاتفاق.
ومن ثم، فإن وجود اتفاق سابق قد يكون أساساً لاعتبار المطالبات مرتبطة بوحدة قانونية واحدة، متى كان مضمون الاتفاق وطبيعته يؤديان إلى ذلك.
وهذا يختلف تماماً عن مجرد قيام المدعي بجمع مطالبات مستقلة من تلقاء نفسه في صحيفة واحدة.
رابعاً: تطبيق المبدأ على النزاع محل الحكم
في القضية محل الحكم، كانت شركة التأمين قد طالبت بمبلغ إجمالي كبير يمثل قيمة ما قامت بسداده عن عدد كبير من المطالبات المرتبطة بحوادث مرورية متعددة.
وكانت المطالبات في مجموعها 451 مطالبة، إلا أن كل مطالبة كانت مرتبطة بحادث وأضرار مستقلة عن المطالبات الأخرى. ولذلك اعتبرت المحكمة أن تعدد هذه المطالبات لا يجعلها تلقائياً مطالبة واحدة لمجرد جمعها في صحيفة واحدة.
وبالتالي، كان يتعين النظر إلى كل مطالبة بحسب سببها وقيمتها المستقلة.
خامساً: لماذا يمثل هذا المبدأ أهمية كبيرة في الطعون؟
تكمن الخطورة العملية في أن قيمة الدعوى تحدد في حالات معينة إمكانية الطعن فيها.
فإذا كانت المطالبات مستقلة، فلا يجوز للمدعي أن يستند إلى مجموع قيمتها للوصول إلى النصاب الذي يسمح بالطعن، بينما تكون كل مطالبة منفردة دون النصاب.
وبعبارة أخرى:
لا يجوز اصطناع نصاب الطعن عن طريق جمع مطالبات مستقلة لا يجمعها سبب قانوني واحد.
وهذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة عندما تكون صحيفة الدعوى مشتملة على عشرات أو مئات المطالبات الناشئة عن وقائع أو علاقات قانونية مستقلة.
سادساً: القاعدة التي ينبغي استخلاصها
يمكن تلخيص المبدأ في ثلاث حالات:
| الحالة | طريقة تقدير القيمة |
|---|---|
| مطالبات متعددة ناشئة عن سبب قانوني واحد | تُجمع وتُقدر كطلب واحد |
| مطالبات مستقلة ولكل منها سبب قانوني مختلف | تُقدر كل مطالبة على حدة |
| وجود اتفاق سابق بين الأطراف ينظم المطالبات باعتبارها رابطة قانونية واحدة | ينظر إلى الاتفاق ومضمونه لتحديد مدى اعتبار المطالبات وحدة واحدة |
الخلاصة
المعيار الحقيقي ليس عدد المطالبات ولا طريقة صياغة صحيفة الدعوى، وإنما مصدر الحق والسبب القانوني الذي تستند إليه كل مطالبة، مع الاعتداد بما يكون قد اتفق عليه الأطراف مسبقاً متى كان الاتفاق منشئاً لوحدة قانونية معتبرة.
وعليه، فإن جمع عشرات المطالبات في صحيفة واحدة لا يحولها بمجرد ذلك إلى دعوى واحدة من حيث القيمة، ولا يجوز اتخاذ هذا الجمع وسيلة لتجاوز النصاب المقرر للطعن.
فالقاعدة هي:
"لا يجمع بين المطالبات في تقدير قيمة الدعوى إلا إذا جمعها سبب قانوني واحد، أو كان هناك اتفاق سابق بين الأطراف يبرر اعتبارها وحدة واحدة، أما مجرد جمعها في صحيفة دعوى واحدة فلا يكفي لذلك."
وهذا المبدأ، كما يظهر من الحكم، يمثل ضمانة مهمة لمنع التحايل على قواعد تقدير قيمة الدعوى ونصاب الطعن عن طريق تجميع مطالبات مستقلة في دعوى واحدة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق