مقدمة
يثير الرهن الوارد على حق الإيجار طويل الأمد أو حق الانتفاع إشكالية قانونية مهمة، تتمثل في مدى استمرار الضمان المقرر للدائن المرتهن إذا انتهى الحق الذي انصب عليه الرهن، ولا سيما عندما يكون انتهاء هذا الحق نتيجة إخلال المستأجر بالتزاماته التعاقدية، وصدور إجراءات قضائية لتنفيذ التسوية وإعادة العقار إلى مالكه.
وفي هذا الإطار، تناولت محكمة التمييز بدبي، في حكمها الصادر في الطعن العقاري رقم 458 لسنة 2025، مسألة انتهاء الرهن الوارد على حق الإيجار طويل الأمد، وأثر انتهاء العلاقة الإيجارية على بقاء هذا الرهن في السجل العقاري، مؤكدةً أن الضمان العيني المرتبط بحق معين لا يمكن فصله عن مصير الحق الذي يرد عليه.
أولاً: وقائع النزاع
تتحصل وقائع النزاع في أن مالكة أرض في منطقة مجمع دبي للاستثمار – القطاع الثاني أبرمت عقد إيجار طويل الأمد مع إحدى الشركات لمدة ثلاثين عاماً، بغرض استخدام الأرض في إقامة مستودعات عليها.
وبعد ذلك، تراكمت على الشركة المستأجرة مستحقات إيجارية بلغت نحو 2,292,820.96 درهماً، فأقامت المالكة دعوى عقارية بطلب إنهاء العلاقة الإيجارية وإلزام المستأجرة بسداد المستحقات.
وانتهى النزاع إلى إبرام تسوية بين الطرفين بتاريخ 30 مارس 2022، جرى اعتمادها قضائياً وأصبحت قابلة للتنفيذ. إلا أن المستأجرة لم تلتزم بتنفيذ التسوية، الأمر الذي دفع المالكة إلى مباشرة إجراءات التنفيذ للمطالبة بالمبالغ المستحقة واسترداد الأرض.
وفي المقابل، تبين أن المستأجرة سبق أن رتبت رهناً لمصلحة أحد البنوك على حق الإيجار طويل الأمد وحقها المرتبط بالمباني المقامة على الأرض، دون الحصول على الموافقة الكتابية للمالكة، رغم اشتراط عقد الإيجار الحصول على هذه الموافقة.
وقد ثار النزاع حول مدى استمرار هذا الرهن بعد انتهاء العلاقة الإيجارية، وما إذا كان تسجيله لدى دائرة الأراضي والأملاك يكفي للإبقاء عليه رغم زوال الحق الذي ورد عليه.
وقضت محكمتا الموضوع بانتهاء الرهن وعدم سريانه في مواجهة المالكة، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لشطبه من السجل، فطعن البنك على الحكم بطريق التمييز، مستنداً إلى أحكام قانون الرهن العقاري في إمارة دبي وإلى تسجيل الرهن رسمياً.
ثانياً: المسألة القانونية التي حسمها الحكم
تمثلت المسألة الجوهرية في تحديد ما إذا كان الرهن المسجل على حق الإيجار طويل الأمد يظل قائماً بصورة مستقلة عن عقد الإيجار، أم أن انتهاء العلاقة الإيجارية يؤدي إلى زوال الرهن المرتبط بذلك الحق.
وقد استند النزاع إلى أحكام القانون رقم (14) لسنة 2008 بشأن الرهن العقاري في إمارة دبي، وبوجه خاص الأحكام المتعلقة برهن حق المساطحة وحق الانتفاع وحق الإيجار طويل الأمد، ومنها المادة (22) التي تجيز رهن بعض هذه الحقوق متى توافرت شروطها القانونية، والمادة (23) المتعلقة بانتهاء الرهن الوارد على تلك الحقوق وشطب القيود المرتبطة به وفقاً للأحوال التي حددها القانون.
ثالثاً: ما الذي قررته محكمة التمييز؟
انتهت محكمة التمييز إلى رفض الطعن وتأييد النتيجة التي خلص إليها الحكم المطعون فيه، ومؤدى ذلك أن الرهن محل النزاع لا يستمر بعد انتهاء الحق الإيجاري الذي كان محلاً له، في ضوء الظروف والوقائع التي ثبتت في الدعوى.
فالرهن في هذه الحالة لم يرد على ملكية الأرض ذاتها، وإنما انصب على حق المستأجرة في الإيجار طويل الأمد وما يرتبط به من حقوق. ومن ثم، فإن نطاق الضمان الذي يتمتع به البنك يظل مرتبطاً بالحق المرهون، ولا يمتد إلى إنشاء حق مستقل له في ملكية الأرض أو إلى تمكينه من الاحتفاظ برهن على حق لم يعد قائماً.
كما أن إخلال المستأجرة بالتزاماتها، وعدم تنفيذ التسوية المعتمدة قضائياً، وما ترتب على ذلك من إجراءات لاسترداد الأرض وإنهاء العلاقة الإيجارية، كانت من العناصر الجوهرية التي استندت إليها محاكم الموضوع في استخلاصها انتهاء الرهن.
ولم يغير من هذه النتيجة تمسك البنك بأنه ليس طرفاً في عقد الإيجار أو التسوية؛ إذ إن عدم مشاركته في تلك العلاقة لا يؤدي بذاته إلى بقاء الحق المرهون بعد زواله، ولا يحول الرهن إلى ضمان مستقل عن محلّه.
رابعاً: المبادئ القانونية المستفادة من الحكم
1. ارتباط الرهن بالحق الذي يرد عليه
الأصل أن الرهن الوارد على حق الإيجار طويل الأمد أو حق الانتفاع يتبع مصير ذلك الحق في الحدود التي يقررها القانون. فإذا انتهى الحق المرهون على نحو يترتب عليه قانوناً زوال محل الرهن، فلا يجوز افتراض استمرار الضمان العيني بمعزل عن الحق الذي أنشئ لضمانه.
2. تسجيل الرهن لا يضمن بقاءه رغم زوال محله
إن قيد الرهن في السجل العقاري يمنحه الآثار القانونية المقررة للتسجيل، لكنه لا يحوّله إلى حق مستقل عن محله، ولا يمنع انتهاءه متى تحقق السبب القانوني الذي يؤدي إلى ذلك. فالتسجيل لا يعالج انعدام الحق المرهون أو زواله، ولا يضمن للدائن بقاء ضمانه في جميع الظروف.
3. ضرورة التمييز بين رهن ملكية العقار ورهن حق الإيجار طويل الأمد
هذا التمييز بالغ الأهمية؛ فالرهن الوارد على ملكية العقار يختلف في محله وآثاره عن الرهن الوارد على حق المستأجر في الانتفاع بالعقار لمدة طويلة. ففي الحالة الثانية، ينصب الضمان على الحق الذي يملكه المستأجر، وليس على ملكية الأرض العائدة إلى المؤجر.
وبالتالي، لا يجوز للدائن المرتهن أن يستمد من رهن حق المستأجر حقوقاً تتجاوز نطاق ذلك الحق أو تنتقص من ملكية صاحب الأرض خارج الحدود التي يسمح بها القانون.
4. أهمية الالتزام بشروط عقد الإيجار
إذا اشترط عقد الإيجار الحصول على موافقة كتابية من المالك قبل ترتيب الرهن، فإن هذا الشرط يثير مسألة قانونية يتعين بحثها في ضوء العقد والتشريعات المنظمة للرهن والحقوق العقارية. ولا يجوز افتراض أن التسجيل العقاري وحده يحسم جميع الآثار المترتبة على مخالفة هذا الشرط؛ بل يجب تحديد مدى صحته ونطاق الاحتجاج به وأثره في ضوء وقائع النزاع والقواعد القانونية الواجبة التطبيق.
5. إخلال المستأجر بالتزاماته قد تكون له آثار تتجاوز المطالبة بالأجرة
قد يترتب على عدم سداد الأجرة أو عدم تنفيذ تسوية قضائية اتخاذ إجراءات لإنهاء العلاقة الإيجارية واسترداد العقار، وفقاً للقانون والعقد والحكم أو السند التنفيذي. وإذا كان حق المستأجر محلّاً لرهن، فإن مصير هذا الرهن يصبح مرتبطاً بما ينتهي إليه القضاء بشأن بقاء الحق المرهون أو زواله، ولا سيما إذا انتهت العلاقة التي أنشأته.
6. عدم كون الدائن المرتهن طرفاً في التسوية لا يحسم النزاع لمصلحته
لا يكفي مجرد القول إن البنك لم يكن طرفاً في التسوية بين المؤجر والمستأجر لإثبات استمرار الرهن. وإنما يتعين بحث طبيعة الحق المرهون، ومدى استمرار وجوده، والأثر القانوني لانتهاء العلاقة الإيجارية عليه، مع مراعاة حقوق الدائن المرتهن والضمانات القانونية المقررة له.
خامساً: الأثر العملي للحكم على المعاملات العقارية والتمويل المصرفي
يحمل الحكم أهمية عملية لكل من الملاك والمطورين والمستأجرين طويلَي الأمد والبنوك والمؤسسات التمويلية.
فبالنسبة إلى المالك، يبرز الحكم أهمية تنظيم عقد الإيجار طويل الأمد بصورة واضحة، ولا سيما فيما يتعلق بترتيب الرهون والتصرف في الحق الإيجاري، وبيان الحالات التي تستلزم الحصول على موافقة كتابية مسبقة، وآثار الإخلال بالالتزامات التعاقدية.
أما بالنسبة إلى المستأجر، فإن ترتيب رهن على حق الإيجار لا يعفيه من الوفاء بالأجرة أو تنفيذ الالتزامات التي يرتبها العقد، ولا يضمن له بقاء الحق المرهون إذا انتهت العلاقة الإيجارية وفقاً للقانون.
وبالنسبة إلى البنك أو الدائن المرتهن، فإن الحكم يبرز ضرورة إجراء فحص قانوني دقيق للحق محل الضمان قبل منح التمويل، بما يشمل مراجعة عقد الإيجار ومدته وشروط الرهن والموافقات اللازمة، والتحقق من وجود أي نزاع أو إخلال تعاقدي قد يهدد استمرار الحق المرهون.
كما تبرز أهمية وضع ضمانات تعاقدية وائتمانية مناسبة، وعدم الاكتفاء بمجرد تسجيل الرهن دون التحقق من سلامة الحق الذي يرد عليه واستمراره وقابليته للإنفاذ طوال مدة التمويل.
سادساً: حدود المبدأ وعدم جواز التوسع في تطبيقه
لا ينبغي فهم الحكم على أن كل نزاع إيجاري أو كل تأخر في سداد الأجرة يؤدي تلقائياً إلى سقوط الرهن المسجل. فالأثر القانوني يتوقف على طبيعة الحق المرهون، وسبب انتهاء العلاقة الإيجارية، وشروط العقد، والأحكام القانونية المنظمة للرهن، وما إذا كان قد تحقق بالفعل سبب قانوني يؤدي إلى انتهاء الحق المرهون وزوال الضمان المرتبط به.
كما يجب التمييز بين مجرد مطالبة المؤجر بإنهاء العقد وبين انتهاء الحق فعلياً بموجب سند قانوني معتبر؛ فلكل حالة ظروفها وآثارها التي يتعين تقديرها في ضوء المستندات والأحكام ذات الصلة.
ومن ثم، فإن الاستناد إلى هذا الحكم في نزاع آخر يقتضي إثبات التشابه في الوقائع والظروف القانونية، وعدم الاكتفاء بمجرد وجود رهن على حق إيجاري أو وجود متأخرات في الأجرة.
خاتمة
يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي في الطعن العقاري رقم 458 لسنة 2025 أهمية التمييز بين ملكية العقار والحقوق العينية أو الإيجارية التي ترد عليه، كما يبرز أن تسجيل الرهن لا يعني بالضرورة بقاءه إلى الأبد، وإنما يظل خاضعاً لطبيعة محله وللأسباب القانونية التي قد تؤدي إلى انتهائه.
والرسالة الأهم التي يحملها الحكم هي أن قوة الضمان العيني لا تنفصل عن سلامة الحق الذي يقوم عليه واستمراره؛ فالدائن الذي يقبل رهن حق إيجار طويل الأمد يجب أن يضع في اعتباره أن هذا الحق قد ينتهي وفقاً للقانون، وأن انتهاءه قد يؤثر في الضمان المقرر له.
وعليه، فإن الفحص القانوني المسبق لعقد الإيجار وشروط ترتيب الرهن، والتحقق من استيفاء الموافقات المطلوبة، ومتابعة مدى التزام المستأجر بالتزاماته، ليست مجرد إجراءات شكلية، بل عناصر أساسية لحماية الائتمان وتقليل مخاطر التمويل العقاري.
ملاحظة تحريرية: أُعد هذا المقال استناداً إلى وقائع الحكم وأسبابه كما وردت في النص المقدم. وقبل النشر المهني أو الاستشهاد القضائي، يُستحسن مطابقة رقم الطعن وتاريخه والنص الحرفي للمواد القانونية مع النسخة الرسمية للحكم والتشريع، ولا سيما حدود تطبيق المادتين (22) و(23) من قانون الرهن العقاري.
