10/20/2026

متى يحق للمشتري فسخ العقد واسترداد الثمن؟

           

                

       

مقدمة

هل يجوز لمطور عقاري بيع أراضٍ أو وحدات عقارية قبل استكمال البنية التحتية اللازمة لتطويرها؟ وهل يحق للمشتري فسخ العقد واسترداد ما دفعه إذا تبين أن المشروع لن يكون جاهزًا في الموعد المتفق عليه؟ وهل يستطيع المطور مطالبة المشتري بباقي الثمن والفوائد الاتفاقية رغم إخلاله بالتزاماته الأساسية؟

أجابت محكمة التمييز بدبي عن هذه المسائل في حكمها الصادر في الطعنين العقاريين رقمي 440 و442 لسنة 2016، بجلسة 14 يونيو 2017، وقررت مبادئ مهمة تتعلق بالتزامات المطور العقاري، وأثر عدم استكمال البنية التحتية، وشروط فسخ عقد البيع واسترداد الثمن، وتاريخ استحقاق الفائدة القانونية.

ويكتسب الحكم أهميته من تأكيده أن التزام المطور لا يقتصر على إبرام عقد البيع، وإنما يمتد إلى تنفيذ الالتزامات الجوهرية التي تعهد بها، بما يحقق الغرض من التعاقد ويتفق مع مقتضيات حسن النية.

أولًا: التزام المطور باستكمال البنية التحتية وفقًا للعقد

استندت المحكمة إلى المادة (246) من قانون المعاملات المدنية، التي توجب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية، كما استندت إلى المادة (267) بشأن القوة الملزمة للعقد وعدم جواز فسخه إلا بالتراضي أو للأسباب التي يقررها القانون.

وأكدت المحكمة أن العقد لا يقتصر على الالتزامات الواردة في عباراته صراحة، بل يشمل أيضًا ما يعد من مستلزماته وفقًا للقانون والعرف وطبيعة التصرف.

ولما كان ما تقدم، وكان الثابت من أوراق الدعوى أن عقدي البيع تضمنا التزام البائع، بصفته المطور الرئيسي، بتوفير البنية التحتية وتطويرها، فإن هذا الالتزام لا يجوز التعامل معه باعتباره أمرًا ثانويًا أو منفصلًا عن الغرض من التعاقد، متى كان استكمال البنية التحتية لازمًا لتمكين المشتري من الانتفاع بالأرض وتطويرها وفقًا لما اتفق عليه.

ومن ثم، فإن تحديد مدى إخلال المطور بالتزامه يتطلب الرجوع إلى شروط العقد، وطبيعة الأعمال التي تعهد بتنفيذها، ومدى إنجازها في المواعيد المتفق عليها أو خلال مدة معقولة تتفق مع مقتضيات حسن النية.

ثانيًا: متى يحق للمشتري فسخ العقد واسترداد الثمن؟

قررت المحكمة، استنادًا إلى المادة (272/1) من قانون المعاملات المدنية، أن لكل من المتعاقدين في العقود الملزمة للجانبين الحق في مطالبة الطرف الآخر بتنفيذ العقد أو فسخه إذا لم يوف بالتزاماته، وفقًا للشروط والأحكام القانونية ذات الصلة.

وفي القضية محل الحكم، ثبت للمحكمة من المستندات والاستعلامات العقارية أن نسبة الإنجاز في المشروع لم تتجاوز 18% وفق البيانات التي استند إليها الحكم الابتدائي، كما خلصت محكمة الموضوع، استنادًا إلى تقارير الخبرة، إلى وجود تأخير في إنجاز المشروع وعدم قدرة المطور على إنجاز ما يتناسب مع المبالغ التي سددها المشتريان، دون ثبوت أسباب قاهرة أو طارئة تبرر عدم التنفيذ.

واعتبرت المحكمة أن ذلك يشكل إخلالًا بالتزام جوهري يتمثل في إنجاز المشروع وتسليم المبيع في الموعد المتفق عليه، أو خلال موعد معقول يتفق مع مقتضيات حسن النية.

وبناءً عليه، أيدت المحكمة قضاء فسخ عقدي البيع وإلزام المطور برد المبالغ المستحقة للمشتريين وفقًا لما انتهى إليه الحكم المطعون فيه.

والقاعدة المستفادة: إذا ثبت إخلال المطور بالتزام جوهري تعاقدي، وكان هذا الإخلال يبرر الفسخ وفقًا للقانون، جاز للمشتري المطالبة بفسخ العقد واسترداد الثمن، مع مراعاة ظروف كل دعوى وشروط العقد والأدلة المقدمة فيها.

ثالثًا: هل يجوز للمطور المطالبة بباقي الثمن رغم إخلاله بالتزاماته؟

ناقش الحكم مطالبة المطور للمشتريين بباقي ثمن الأراضي والفوائد الاتفاقية، في مقابل طلب المشتريين فسخ عقدي البيع ورد المبالغ المسددة.

وانتهت المحكمة إلى رفض طعن المطور، مؤيدةً ما خلصت إليه محكمة الموضوع من ثبوت إخلاله بالتزاماته المتعلقة بالبنية التحتية، وعدم جواز مطالبته بتنفيذ التعاقد لمصلحته على النحو الذي طلبه، بعد ثبوت إخلاله هو بالتزاماته الجوهرية.

ومؤدى ذلك أن المطور لا يستطيع أن يتجاهل إخلاله بالتزاماته التعاقدية ويطالب الطرف الآخر بتنفيذ التزاماته المقابلة دون بحث أثر ذلك الإخلال في ضوء العقد والقانون.

ومع ذلك، لا يعني الحكم أن كل تأخير في أعمال البنية التحتية يؤدي تلقائيًا إلى سقوط حق المطور في المطالبة بباقي الثمن؛ بل يتعين إثبات الإخلال، وتحديد الالتزامات التي تقع على عاتق كل طرف، وبيان أثر المخالفة في طلبات الخصوم.

رابعًا: مسؤولية المطور الرئيسي لا تعفي المطور الفرعي من التزاماته تجاه المشترين

من المبادئ المهمة التي أوردها الحكم أن إخلال المطور الرئيسي بالتزاماته لا يؤثر بذاته في التزامات المطور الفرعي تجاه المشترين الذين اشتروا منه وحدات عقارية.

وقد أوضحت المحكمة أن تحميل المطور الرئيسي مسؤولية عدم استكمال البنية التحتية لا يعفي المطور الفرعي تلقائيًا من التزاماته تجاه المشترين النهائيين، إذ تظل العلاقة بين المطور الفرعي ومشتري وحداته خاضعة للعقود المبرمة بينهم والالتزامات المترتبة عليها.

ويبرز هذا المبدأ أهمية التمييز بين العلاقات التعاقدية المختلفة داخل المشروع العقاري؛ فالعلاقة بين مالك الأرض أو المطور الرئيسي والمطور الفرعي ليست هي ذاتها العلاقة بين المطور الفرعي والمشتري النهائي.

وبالتالي، فإن وجود إخلال من المطور الرئيسي لا يكفي وحده لتبرير إخلال المطور الفرعي بالتزاماته تجاه عملائه، بل يجب بحث كل علاقة تعاقدية على حدة.

خامسًا: سلطة المحكمة في تقدير الإخلال وأسباب الفسخ

أكدت محكمة التمييز أن تقدير كفاية أسباب الفسخ، وإثبات التقصير أو نفيه، وفهم واقع الدعوى، وتفسير العقود والشروط المختلف عليها، من المسائل التي تدخل في سلطة محكمة الموضوع متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق.
وفي النزاع محل الحكم، اطمأنت محكمة الموضوع إلى تقارير الخبرة والمستندات المقدمة، واستخلصت منها إخلال المطور بالتزاماته المتعلقة بالبنية التحتية، ورأت أن ذلك يكفي لتبرير الفسخ.
ولما كان هذا الاستخلاص سائغًا وله أصله الثابت بالأوراق، فقد رفضت محكمة التمييز ما أثاره المطور من منازعة في تقدير الوقائع والأدلة.
وهذا يؤكد أهمية إعداد ملف الدعوى على نحو متكامل، يشمل عقد البيع، والجدول الزمني للمشروع، والمستندات الصادرة عن الجهات المختصة، وتقارير الخبرة، وما يثبت أثر التأخير في إمكانية البناء أو الانتفاع بالمبيع.

سادسًا: من أي تاريخ تُحسب الفائدة على المبالغ الواجب ردها بعد فسخ العقد؟

تناول الحكم مسألة أخرى مهمة تتعلق بتاريخ استحقاق الفائدة على المبالغ التي يلتزم المطور بردها بعد فسخ عقد البيع.

وقد تمسك المشتريان بأن الفائدة يجب أن تحتسب من تاريخ قبض المطور للمبالغ، على أساس أن قبضها أصبح غير مستحق بعد فسخ العقد.

إلا أن المحكمة رفضت هذا النعي، وميزت بين قبض المبلغ بغير حق منذ البداية، وبين قبضه بحق أثناء قيام عقد صحيح ونافذ، ثم نشوء الحق في استرداده لاحقًا نتيجة فسخ العقد.

واستندت المحكمة إلى المادة (324) من قانون المعاملات المدنية، المتعلقة برد ما قُبض بغير حق، وقررت أن العبرة في تطبيقها تكون بحالة القبض وقت حصوله. فإذا كان القبض مستحقًا وقت وقوعه، فلا تطبق أحكام رد غير المستحق لمجرد أن الحق في استرداد المبلغ نشأ لاحقًا نتيجة فسخ العقد.

وأوضحت المحكمة أن المشتري الذي دفع الثمن تنفيذًا لعقد بيع صحيح ونافذ كان يؤدي التزامًا مستحقًا عليه وقت الدفع، وأن التزام البائع برد الثمن ينشأ باعتباره أثرًا قانونيًا للفسخ وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد.

ولذلك، طبقت المحكمة القواعد العامة المتعلقة بالفائدة، وأيدت احتسابها من تاريخ المطالبة القضائية، وفقًا لما انتهى إليه الحكم المطعون فيه، لا من تاريخ قبض المطور للثمن.

والقاعدة المهمة هنا: ليس كل مبلغ يُحكم برده بعد فسخ العقد يُعد مبلغًا مقبوضًا بغير حق منذ البداية؛ بل يجب تحديد ما إذا كان القبض مستحقًا وقت حصوله، لأن ذلك يؤثر في الأساس القانوني لتحديد تاريخ استحقاق الفائدة.

سابعًا: كيف يستفيد المشتري من هذا الحكم في دعواه ضد المطور؟

يمكن للمشتري الاستفادة من المبادئ الواردة في الحكم عند إقامة دعوى فسخ عقد البيع واسترداد الثمن، من خلال التركيز على العناصر التالية:

  1. إثبات الالتزام التعاقدي: تحديد الالتزامات التي تعهد المطور بتنفيذها، ولا سيما ما يتعلق بالبنية التحتية والإنجاز والتسليم.

  2. إثبات الإخلال: تقديم ما يثبت التأخير أو عدم تنفيذ الالتزامات، مثل الاستعلامات العقارية والمراسلات والمستندات الفنية وتقارير الخبرة.

  3. بيان جوهرية المخالفة: توضيح أثر الإخلال في الغرض من التعاقد، ومدى تأثيره في إمكانية البناء أو الانتفاع بالمبيع.

  4. تأسيس طلب الفسخ: الاستناد إلى الأحكام القانونية المنظمة لتنفيذ العقود وفسخها عند إخلال أحد المتعاقدين بالتزاماته.

  5. تحديد المبالغ المطالب بردها والفائدة: بيان المبالغ المسددة وأساس استردادها، وتحديد تاريخ بدء الفائدة وفقًا لطبيعة المطالبة والقواعد القانونية المنطبقة.

ويظل قبول طلب الفسخ واسترداد الثمن مرتبطًا بوقائع كل دعوى وشروط العقد ومدى ثبوت الإخلال، ولا يكفي مجرد الاستشهاد بالحكم دون بيان أوجه انطباق مبدئه على النزاع المعروض.

خاتمة

يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي الصادر في الطعنين العقاريين رقمي 440 و442 لسنة 2016 أن الالتزامات التعاقدية للمطور العقاري يجب أن تنفذ وفقًا للعقد ومقتضيات حسن النية، وأن الإخلال بالتزام جوهري قد يبرر فسخ البيع واسترداد الثمن، كما قد يمنع المطور من الحصول على تنفيذ العقد لمصلحته دون مراعاة إخلاله المقابل.

كما يوضح الحكم أن الفائدة على الثمن الواجب رده بعد الفسخ لا تُحتسب بالضرورة من تاريخ قبضه، متى كان القبض مستحقًا وقت حصوله، بل تخضع للقواعد القانونية التي تحكم رد الثمن بعد الفسخ.

وبذلك يقدم الحكم أساسًا مهمًا لفهم حقوق مشتري العقار والتزامات المطور في منازعات التأخير وعدم استكمال البنية التحتية، مع ضرورة دراسة كل عقد وملف دعوى على حدة لتحديد الأثر القانوني الصحيح.

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...