هل إذا دعا شخص على آخر بالمرض أو بعدم الشفاء، يُعد ذلك جريمة سب؟
قد يظن البعض أن كل عبارة مسيئة أو قاسية تُقال لشخص آخر يمكن أن تشكل جريمة سب، إلا أن الأمر من الناحية القانونية ليس بهذه البساطة، إذ يجب أن تتوافر في العبارات أركان وعناصر محددة حتى تُعد سباً معاقباً عليه قانوناً.
وقد تناولت المحكمة الاتحادية العليا هذه المسألة في حكمها الصادر في الطعن رقم 619 لسنة 2022 جزائي، ووضعت معياراً مهماً للتمييز بين الدعاء على الشخص وبين السب بالمعنى القانوني.
أولاً: ما المقصود بجريمة السب؟
أوضحت المحكمة أن مناط التجريم وفقاً للمادة 43/1 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية هو أن يقوم الشخص بسب غيره، أو أن يسند إليه واقعة من شأنها أن تجعله محلاً للعقاب أو الازدراء من جانب الآخرين، باستخدام شبكة معلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.
كما قررت المحكمة أن السب يتحقق بإطلاق لفظ صريح يتضمن الشتم، أو بإلصاق عيب بالشخص، أو بتعبير يحط من قدره أو يخدش شخصه، وأن العبرة في تحديد ما إذا كانت العبارات تشكل سباً بحقيقة معناها ومرماها في سياق الدعوى.
وبالتالي، فإن مجرد كون العبارة قاسية أو غير لائقة لا يكفي وحده، وإنما يجب بحث مضمونها وما إذا كانت تتضمن بالفعل شتماً أو تحقيراً أو إسناد واقعة تجعل الشخص محلاً للعقاب أو الازدراء.
ثانياً: ماذا قالت المحكمة عن الدعاء على شخص؟
تتلخص وقائع القضية في أن المتهم أرسل إلى المجني عليه رسالة عبر واتساب تضمنت عبارات من بينها:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك، الله يمرضك ويمرض أبناءك وإن شاء الله ما تحصلون على علاج"
وصدر حكم بإدانته عن جريمة السب.
إلا أن المحكمة الاتحادية العليا رأت أن الحكم لم يبين على نحو كافٍ أركان جريمة السب، ولم يوضح كيف تنطبق هذه العبارات على التعريف القانوني لجريمة السب.
ثالثاً: هل الدعاء على شخص يُعتبر سباً؟
كانت إجابة المحكمة واضحة:
الدعاء على شخص لا يُعد سباً بالمعنى القانوني لجريمة السب.
فقد قررت المحكمة أن العبارات محل الاتهام كانت عبارة عن دعاء على المجني عليه بالمرض وعلى أبنائه وألا يجدوا العلاج، وأنها لا تدل بذاتها على الحط من قيمة الشخص أو قدره، وإنما كانت من قبيل الدعاء عليه كرد فعل على واقعة حدثت بين الطرفين.
ومن ثم خلصت المحكمة إلى أن الدعاء على الشخص لا يعد سباً بالمعنى الوارد في المادة 43/1 المشار إليها.
رابعاً: هل معنى ذلك أن كل دعاء على شخص مباح قانوناً؟
هنا يجب التفرقة بين أمرين.
المحكمة لم تقل إن الدعاء على الآخرين أمر مستحسن أو مشروع من الناحية الدينية أو الأخلاقية، وإنما فرقت بين الحكم الديني أو الأخلاقي على الفعل وبين توافر أركان الجريمة قانوناً.
فقد أشارت المحكمة إلى أن الدعاء على الشخص قد يكون مؤثماً ديانةً، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يجعل صاحبه محلاً للعقاب قضائياً عن جريمة السب.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن المسؤولية الجنائية لا تقوم لمجرد عدم استحسان العبارة، وإنما يجب أن تنطبق عليها العناصر التي حددها القانون للجريمة.
خامساً: العبرة ليست بمجرد العبارة وإنما بمرماها
من أهم المبادئ التي أكدها الحكم أن تحديد ما إذا كانت العبارة تشكل سباً أم لا هو أمر يرتبط بمضمون العبارة وسياقها ومرماها.
فالمحكمة تنظر إلى حقيقة العبارات وما إذا كانت تتضمن:
- شتماً صريحاً؛
- إلصاق عيب بالشخص؛
- تحقيراً أو حطاً من قدره؛ أو
- إسناد واقعة تجعله محلاً للعقاب أو الازدراء من الآخرين.
ولذلك لا يكفي أن يقول المشتكي إن العبارة أساءت إليه، وإنما يجب أن تكشف العبارة نفسها عن العناصر التي تجعلها سباً وفقاً للقانون.
سادساً: تطبيق ذلك على الرسائل عبر واتساب
أهمية الحكم تظهر أيضاً في أنه يتعلق برسالة تم إرسالها عبر واتساب.
فكون العبارة قد أُرسلت إلكترونياً لا يعني تلقائياً أنها تشكل جريمة سب، وإنما يجب أولاً أن تكون العبارة ذاتها مستوفية للعناصر القانونية للجريمة.
وقد انتقدت المحكمة الحكم السابق لأنه لم يبين على نحو كافٍ كيف تنطبق العبارات المرسلة عبر واتساب على التعريف القانوني لجريمة السب، وانتهت إلى نقض الحكم والقضاء ببراءة الطاعن مما أسند إليه.
الخلاصة
يمكن تلخيص مبدأ الحكم في أن:
ليس كل تعبير قاسٍ أو غير مستحب يُعد سباً من الناحية الجنائية، وإنما يجب أن تتوافر في العبارة العناصر التي حددها القانون لجريمة السب، ومن ذلك أن تتضمن شتماً صريحاً أو إلصاق عيب بالشخص أو تعبيراً يحط من قدره أو يخدش شخصه.
وبحسب الحكم محل البحث، فإن الدعاء على شخص بالمرض أو بعدم الحصول على العلاج، متى كان في حقيقته مجرد دعاء ولم يتضمن شتماً أو تحقيراً أو إسناد واقعة تجعله محلاً للعقاب أو الازدراء، لا يُعد سباً بالمعنى الجنائي.
الحكم: المحكمة الاتحادية العليا – الطعن رقم 619 لسنة 2022 جزائي.
تنبيه: تحديد ما إذا كانت عبارة معينة تشكل سباً أم لا يظل مرتبطاً بعباراتها الفعلية وسياقها وملابسات الواقعة، ولا يجوز تعميم الحكم على كل العبارات دون فحص مضمونها.







