9/24/2026

باع شقته لزوجته دون أن يتقاضى ثمنها حتى تعود إلى منزل الزوجية.. فهل يعد هذا بيعًا حقيقيًا ينقل ملكية الشقة للزوجة؟ حكم قضائي يكشف الحقيقة

 



   هل يمكن للزوج أن يحرر عقد بيع شقة لزوجته، دون أن يتقاضى منها الثمن، فقط حتى تعود إلى منزل الزوجية؟

والأهم من ذلك...
هل يكون هذا العقد بيعًا حقيقيًا ينقل ملكية الشقة إلى الزوجة، أم يستطيع الزوج بعد ذلك أن يطلب إلغاء العقد باعتباره عقدًا صوريًا لم يكن يقصد به البيع أصلًا؟
هذه المسألة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل وراءها تفاصيل قانونية دقيقة تتعلق بـ الصورية، وحقيقة إرادة المتعاقدين، والهبة المستترة في صورة البيع.
وقد تناولت محكمة النقض المصرية هذه المسألة في حكم مهم، انتهت فيه إلى نقض الحكم الذي اعتبر عقد البيع صوريًا صورية مطلقة
.

بداية القصة.. شقة مقابل العودة إلى منزل الزوجية

تتلخص وقائع القضية في أن زوجًا حرر لزوجته عقد بيع عن شقة، وكان النزاع يدور حول حقيقة هذا التصرف.

وقد تمسك الزوج بأن عقد البيع لم يكن بيعًا حقيقيًا، وإنما حرره استجابة لرغبة زوجته في العودة إلى منزل الزوجية، بعد أن نشأت خلافات بينهما بسبب زواجه من أخرى.

وبعبارة أخرى، كان الزوج يرى أن العقد لم يكن مقصودًا به نقل ملكية الشقة على سبيل البيع الحقيقي، وإنما كان وسيلة لتحقيق غرض آخر.

ولذلك أقام دعوى طالب فيها باعتبار عقد البيع صوريًا صورية مطلقة.

وهنا بدأت المعركة القانونية:

هل مجرد عدم دفع الزوجة للثمن، ووجود ظروف زوجية دفعت الزوج إلى تحرير العقد، يكفيان للقول إن البيع لم يكن حقيقيًا؟

ما المقصود بالصورية المطلقة؟

قبل معرفة إجابة المحكمة، يجب أولًا فهم معنى الصورية.

الصورية المطلقة تعني أن هناك عقدًا ظاهرًا أمام الناس، ولكن هذا العقد غير حقيقي في إرادة طرفيه، ويكون هناك اتفاق مستتر بينهما على أن التصرف الظاهر لا يقصد به ترتيب آثاره القانونية.

فإذا كتب الطرفان عقد بيع، بينما اتفقا في الحقيقة على ألا يكون هناك بيع أصلًا، فإننا نكون أمام صورية مطلقة.

لكن الصورية لا تقوم لمجرد أن أحد طرفي العقد يقول بعد ذلك:

"أنا لم أكن أقصد البيع."

فلا بد من إثبات أن هناك اتفاقًا مستترًا بين الطرفين وقت إبرام العقد يخالف ما ظهر في العقد.

وقد أوضحت محكمة النقض أن الصورية المطلقة تفترض وجود تصرف ظاهر غير حقيقي يقترن به اتفاق مستتر يعدل أو يلغي التصرف الظاهر، وأنها تختلف عن التصرف المنفرد الذي يقوم به أحد المتعاقدين بإظهار إرادة وإبطان أخرى.

وماذا عن واقعة العودة إلى منزل الزوجية؟

هذه النقطة كانت من أهم أسباب النزاع.

فقد استند الحكم السابق إلى أقوال الشهود التي تفيد أن الزوج حرر عقد البيع حتى تعود الزوجة إلى منزل الزوجية، واعتبر أن ذلك يدل على عدم وجود نية حقيقية للبيع.

لكن محكمة النقض لم توافق على هذا الاستنتاج.

فمجرد أن الزوج حرر العقد بهدف عودة زوجته إلى منزل الزوجية لا يعني تلقائيًا أن البيع كان صوريًا.

بل إن المحكمة رأت أن ما ورد بأقوال الشهود لا يكشف عن انتفاء نية الشراء لدى الزوجة، وأن ما ذكر بشأن تحرير العقد للعودة إلى منزل الزوجية لا يدل بذاته على الصورية المطلقة.

وهنا تظهر قاعدة مهمة:

الدافع إلى إبرام العقد شيء، وحقيقة العقد القانونية شيء آخر.

فقد يكون للمتعاقد هدف شخصي أو عائلي من وراء إبرام العقد، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن العقد صوري.

المفاجأة.. عدم دفع الثمن لا يعني أن البيع صوري

ربما تكون هذه هي أهم نقطة في الحكم.

فإذا كان عقد البيع يذكر ثمنًا معينًا، ثم لم يثبت أن المشتري دفع هذا الثمن، فهل يعني ذلك أن البيع لم يكن حقيقيًا؟

الإجابة التي قررتها محكمة النقض: ليس بالضرورة.

فعدم سداد الثمن لا يكفي وحده لإثبات أن عقد البيع صوري صورية مطلقة.

والسبب أن عدم دفع الثمن يمكن أن تكون له دلالة قانونية أخرى؛ فقد يكشف، بحسب ظروف كل حالة، عن أن التصرف في حقيقته هبة مستترة في صورة عقد بيع.

وقد قررت المحكمة صراحة أن عقد الهبة يمكن أن يستتر في عقد آخر، وأن الهبة في صورة عقد بيع تصح متى كان العقد الظاهر مستوفيًا للشروط اللازمة لانعقاد البيع.

أي أن عدم دفع الثمن لا يؤدي تلقائيًا إلى نتيجة واحدة.

إذن.. هل انتقلت ملكية الشقة إلى الزوجة؟

هنا تكمن أهمية الحكم.

فالمحكمة لم تقل إن كل عقد بيع بين الزوج وزوجته يكون صحيحًا، ولم تقل إن عدم دفع الثمن لا قيمة له.

وإنما قررت أن عدم دفع الثمن وحده لا يكفي لإثبات الصورية المطلقة.

فإذا كان العقد قد استوفى أركان وشروط البيع الظاهر، وكانت إرادة الطرفين قد اتجهت إلى إحداث أثر قانوني حقيقي، فلا يجوز وصف العقد بأنه صوري لمجرد عدم سداد الثمن.

وفي المقابل، قد يكون التصرف في حقيقته هبة مستترة في صورة بيع، وهو أمر يختلف عن القول بأن العقد صوري صورية مطلقة.

وهذا التفريق هو جوهر الحكم.

الفرق بين البيع الصوري والهبة المستترة

قد يبدو الأمر متشابهًا، لكن هناك فرق قانوني مهم:

في البيع الصوري صورية مطلقة:

الطرفان لا يريدان البيع أصلًا، وإنما يحرران عقدًا ظاهريًا دون قصد ترتيب آثاره.

أما في الهبة المستترة في صورة بيع:

فهناك إرادة حقيقية لنقل الملكية من شخص إلى آخر، ولكن التصرف يظهر في صورة بيع، بينما تكون حقيقته تبرعًا.

ولهذا السبب قالت محكمة النقض إن الهبة قد تستتر تحت عقد آخر، ومنها عقد البيع، متى كان العقد الساتر مستوفيًا للشروط القانونية اللازمة لانعقاده.

وماذا فعلت محكمة النقض؟

محكمة الموضوع كانت قد اعتبرت عقد البيع صوريًا صورية مطلقة، مستندة إلى أقوال الشهود وإلى عدم دفع الثمن.

لكن محكمة النقض رأت أن هذا الاستنتاج غير صحيح.

فأقوال الشهود، بحسب ما ورد بالحكم، لم تكن تؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها محكمة الموضوع، كما أن عدم سداد الثمن لا يصلح وحده دليلًا على الصورية المطلقة، لأنه قد يؤدي – بحسب حقيقة التصرف – إلى اعتبار العقد ساترًا لهبة.

وانتهت المحكمة إلى أن الحكم المطعون فيه شابه الفساد في الاستدلال والخطأ في تطبيق القانون.

ثم تصدت المحكمة للموضوع، وانتهت إلى أن الأوراق لم تقدم دليلًا على صورية عقد البيع صورية مطلقة، فقضت بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى.

الخلاصة.. العبرة بحقيقة التصرف لا بمجرد عدم دفع الثمن

الحكم يضع أمامنا قاعدة مهمة جدًا:

عدم دفع الثمن لا يعني تلقائيًا أن عقد البيع صوري.

كما أن وجود ظروف أسرية أو شخصية دفعت أحد الطرفين إلى إبرام العقد لا يكفي وحده لإثبات الصورية.

والسؤال الذي يجب أن تبحثه المحكمة هو:

ما حقيقة إرادة الطرفين وقت إبرام العقد؟

هل كان هناك اتفاق بينهما على أن البيع مجرد عقد وهمي لا يريدان ترتيب آثاره؟

أم أن هناك تصرفًا حقيقيًا أرادا به نقل الملكية، ولو كان هذا التصرف في حقيقته هبة مستترة تحت ستار البيع؟

وهنا تكمن أهمية الحكم.

فالعقد لا يفقد آثاره القانونية لمجرد أن الثمن لم يدفع، ولا يصبح صوريًا لمجرد وجود علاقة زوجية بين طرفيه.

وإنما العبرة بحقيقة التصرف، وبما إذا كان هناك اتفاق مستتر بين الطرفين يخالف العقد الظاهر من عدمه.

مبدأ قضائي مهم

قررت محكمة النقض أن:

الهبة في صورة عقد بيع تصح إذا كان العقد الساتر للهبة مستوفيًا للشروط المقررة قانونًا لانعقاد البيع.

الحكم: محكمة النقض المصرية – الطعن رقم 14430 لسنة 79 قضائية – جلسة 4 ديسمبر 2017.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...