10/20/2026

هل يجوز الحجز على حساب الضمان العقاري في دبي؟ مبدأ حاسم للهيئة العامة لمحكمة التمييز

 



مقدمة

تُعد حسابات ضمان التطوير العقاري من أهم الضمانات القانونية التي قررها المشرّع في إمارة دبي لحماية أموال مشتري الوحدات العقارية المباعة على الخارطة، وضمان تخصيص الأموال المحصلة منهم لتمويل إنشاء المشروع العقاري واستكمال تنفيذه، بدلًا من استخدامها في سداد ديون المطور العقاري الأخرى.

وقد يثور التساؤل عندما يكون المطور العقاري مدينًا للغير بمبالغ مالية ثابتة بموجب عقد أو حكم قضائي: هل يجوز للدائن توقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي على الحساب المصرفي الذي تودع فيه أموال المشروع؟ وهل يختلف الأمر إذا كان الدين ثابتًا بحكم قضائي نهائي، أو كان طالب الحجز من الممولين للمشروع ذاته؟

حسمت الهيئة العامة لمحكمة تمييز دبي هذه المسألة في قرارها الصادر في القضية رقم 10 لسنة 2024 – قرارات الهيئة العامة – التمييز، بجلسة 1 أكتوبر 2024، وقررت عدم جواز الحجز على الأموال المودعة في حساب ضمان المشروع العقاري لصالح دائني المطور، بصرف النظر عن نوع الدين أو سنده، حتى لو كان سند الحجز حكمًا قضائيًا.

أولًا: الأساس القانوني لحماية حساب الضمان العقاري

استندت الهيئة العامة إلى المادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007 بشأن حسابات ضمان التطوير العقاري في إمارة دبي، والتي تقرر أن حساب الضمان يُفتح باسم المشروع ويُخصص حصريًا لأغراض إنشائه، ولا يجوز الحجز على المبالغ المودعة فيه لصالح دائني المطور.

كما توجب المادة ذاتها فتح حساب ضمان مستقل لكل مشروع إذا كان المطور ينفذ عدة مشروعات عقارية.

وتقوم هذه الحماية على غاية تشريعية واضحة؛ فالأموال المودعة في حساب الضمان ليست أموالًا متاحة للمطور ليتصرف فيها كيفما يشاء، وإنما أموال مخصصة لغرض محدد هو إنشاء المشروع العقاري، بما يحفظ حقوق المشترين ويحد من استخدام أموال مشروع في سداد التزامات لا تتصل به.

وقد أوضحت الهيئة أن المبالغ التي تُحصّل من المشترين لقاء وحدات مباعة على الخارطة، أو من ممولي المشروع، تُودع في حساب الضمان المخصص للمشروع، ولا تُصرف للمطور إلا وفقًا لمراحل الإنجاز المحددة في عقد البيع، وطبقًا للضوابط القانونية المنظمة للصرف.

وبذلك، فإن الحظر على الحجز ليس مجرد إجراء مصرفي أو قيد تعاقدي، بل حماية قررها القانون لضمان توجيه الأموال إلى الغرض الذي جُمعت من أجله.

ثانيًا: المبدأ القضائي الذي قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز

قررت الهيئة العامة أنه لا يجوز توقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي، لصالح دائني المطور، على الأموال المودعة في حساب ضمان المشروع العقاري، أيًا كان نوع الدين أو السند الذي يستند إليه طالب الحجز، ولو كان الدين ثابتًا بحكم قضائي.

ولم تقصر الهيئة هذا الحظر على الدائنين العاديين، بل أوضحت أنه يسري حتى لو كان طالب الحجز من المودعين أو الممولين للمشروع، وفقًا لما ورد في القرار.

كما أكدت أن الحماية لا تزول لمجرد تغيير اسم الحساب المصرفي، متى كانت الأموال، في حقيقتها، من الأموال المودعة وفقًا للمادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007.

ومؤدى ذلك أن العبرة ليست بالاسم الذي يحمله الحساب وحده، وإنما بحقيقة الأموال ومصدرها وطبيعة تخصيصها للمشروع العقاري.

وهذا هو جوهر المبدأ: لا يجوز استخدام الحجز على حساب الضمان وسيلةً لاستيفاء دين على المطور من أموال خصصها القانون لإنشاء المشروع العقاري.

ثالثًا: هل يجوز الحجز إذا كان الدين ثابتًا بحكم قضائي نهائي؟

من أبرز جوانب القرار أنه لم يستثنِ الديون الثابتة بأحكام قضائية من نطاق الحظر.

فقد أكدت الهيئة العامة أن عدم جواز الحجز يشمل الحجز التحفظي والحجز التنفيذي، بصرف النظر عن نوع الدين الذي يرغب الدائن في استيفائه أو السند الذي يستند إليه، حتى لو كان حكمًا قضائيًا.

ويعني ذلك أن صدور حكم قضائي بإلزام المطور بسداد مبلغ مالي لا يكفي، بذاته، لتبرير الحجز على الأموال المحمية في حساب ضمان المشروع.

فالحكم القضائي يثبت حق الدائن في مواجهة المدين وفقًا لمنطوقه وأسبابه الملزمة، لكنه لا يلغي القيود القانونية المفروضة على الأموال التي لا يجوز الحجز عليها.

ومن ثم، يجب التمييز بين ثبوت الدين في ذمة المطور وبين جواز التنفيذ على مال معين؛ فقد يكون الدين ثابتًا ومستحق الأداء، ومع ذلك لا يجوز استيفاؤه من أموال يحظر القانون الحجز عليها.

وهذه التفرقة ذات أهمية عملية بالغة في ملفات التنفيذ، إذ لا يكفي تقديم السند التنفيذي وحده دون التحقق من الطبيعة القانونية للأموال المطلوب الحجز عليها.

رابعًا: هل يختلف الحكم إذا كان طالب الحجز من ممولي المشروع؟

لم تجعل الهيئة العامة صفة طالب الحجز، باعتباره ممولًا للمشروع أو من المودعين فيه، سببًا لاستبعاد الحظر المقرر بالمادة (9).

فقد قررت أن الحجز لا يجوز لصالح دائني المطور على الأموال المودعة في حساب الضمان، ولو كان طالب الحجز من المودعين أو الممولين للمشروع، وبصرف النظر عن نوع الدين أو سنده.

ويؤكد ذلك أن المعيار الذي اعتمدته الهيئة يتعلق بحماية الأموال المخصصة للمشروع، وليس بمجرد طبيعة العلاقة بين طالب الحجز والمطور.

ومع ذلك، ينبغي عند تطبيق هذا المبدأ على أي نزاع التحقق من حقيقة الحساب ومصدر الأموال وطبيعة الحق المطالب به؛ فالقرار يتعلق بالأموال التي تدخل في نطاق الحماية القانونية المقررة لحساب الضمان، ولا يصح تعميمه على كل حساب مصرفي يملكه المطور دون التحقق من هذه العناصر.

خامسًا: أثر تغيير اسم الحساب المصرفي

من المسائل المهمة التي تناولها القرار أن تغيير مسمى الحساب لا يؤدي، في حد ذاته، إلى زوال الحماية القانونية.

فإذا كانت الأموال قد أودعت في الأصل وفقًا للمادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007، فإن الحظر يظل قائمًا متى ثبتت طبيعتها القانونية، ولو تغير اسم الحساب المصرفي الذي أودعت فيه.

ويحول هذا المبدأ دون الالتفاف على الحماية المقررة لحساب الضمان بمجرد تغيير التسمية المصرفية، ويؤكد أن العبرة بحقيقة الأموال ومصدرها وتخصيصها، لا بالمسمى الشكلي للحساب وحده.

وعمليًا، قد يتطلب إثبات ذلك مراجعة مستندات الحساب، ومصدر التحويلات، والبيانات المتعلقة بالمشروع، وما يثبت خضوع الأموال لنظام حساب الضمان.

سادسًا: ما واجب قاضي التنفيذ عند طلب الحجز على حساب مصرفي للمطور؟

أوضحت الهيئة العامة أن قاضي التنفيذ، عند عرض طلب الحجز عليه، يتعين عليه التحقق مما إذا كانت الأموال المودعة في الحساب المطلوب الحجز عليه من الأموال المحصلة من المشترين لوحدات مباعة على الخارطة أو من ممولي المشروع، وذلك بصرف النظر عن اسم الحساب الذي أودعت فيه.

فإذا ثبت أن الأموال تدخل في نطاق الحماية المقررة للمادة (9)، وجب رفض إصدار أمر الحجز عليها.

ويترتب على ذلك أن بحث مشروعية الحجز لا ينبغي أن يتوقف عند وجود سند تنفيذي أو ثبوت مديونية المطور، بل يجب أن يمتد إلى التحقق من طبيعة المال محل التنفيذ ومدى جواز الحجز عليه قانونًا.

وبالتالي، إذا صدر أمر بالحجز على أموال محمية بالمادة (9)، فإن القرار يقرر أن هذا الحجز يكون باطلًا.

وتبرز أهمية هذا المبدأ في المنازعات التنفيذية التي يكون فيها الدائن حاصلًا على حكم قضائي، بينما يتمسك المطور بأن الأموال المحجوزة مخصصة لحساب ضمان مشروع عقاري.

سابعًا: كيف يمكن الاستفادة من القرار في المنازعات التنفيذية؟

يمكن الاستناد إلى هذا القرار عند منازعة إجراءات الحجز على حساب ضمان مشروع عقاري، مع ضرورة تقديم ما يثبت أن الحساب والأموال محل الحجز تدخل بالفعل في نطاق الحماية القانونية.

ومن الناحية العملية، ينبغي التركيز على العناصر الآتية:

  1. تحديد الحساب محل الحجز: بيان الحساب المصرفي الذي وقع عليه الحجز، وبيانات المشروع المرتبط به.

  2. إثبات طبيعة الأموال: تقديم ما يتوافر من مستندات تثبت أن المبالغ المودعة ناتجة عن دفعات المشترين أو تمويل المشروع، وأنها خاضعة لنظام حساب الضمان.

  3. الاستناد إلى المادة (9): التمسك بالحظر القانوني على الحجز لصالح دائني المطور.

  4. الاستناد إلى قرار الهيئة العامة: إبراز أن الحظر يشمل الحجز التحفظي والتنفيذي، حتى لو كان الدين ثابتًا بحكم قضائي.

  5. طلب الأثر القانوني المناسب: طلب رفض الحجز إذا كان الطلب لا يزال منظورًا، أو اتخاذ الإجراء القانوني المناسب للطعن على الحجز القائم، وفقًا لمرحلة التنفيذ وظروف الملف.

ويجب أن يُبنى الطلب على مستندات تثبت الطبيعة القانونية للأموال؛ إذ لا يكفي مجرد القول إن الحساب مرتبط بمشروع عقاري دون إثبات أنه حساب ضمان أو أن المبالغ محل الحجز تدخل ضمن الأموال التي يحميها القانون.

ثامنًا: ما حدود المبدأ الذي قررته الهيئة العامة؟

على الرغم من وضوح الحظر الذي قررته الهيئة العامة، فإن تطبيقه يتطلب التحقق من انطباق المادة (9) على الحساب والأموال محل النزاع.

فالقرار لا يقرر حصانة مطلقة لكل حساب مصرفي يخص المطور العقاري، وإنما يحظر الحجز على المبالغ التي تدخل في نطاق حساب الضمان وفقًا للقانون، والمخصصة حصريًا لأغراض إنشاء المشروع العقاري.

ولذلك، فإن الفصل في أي طلب حجز يستلزم التحقق من مصدر الأموال وطبيعة الحساب وارتباطه بالمشروع، بدلًا من الاكتفاء باسم صاحب الحساب أو صفته كمطور عقاري.

كما أن القرار يتناول تحديدًا الحجز لصالح دائني المطور على الأموال المشمولة بالحماية القانونية، ولا ينبغي توسيع نطاقه إلى مسائل أخرى لم يتناولها دون الرجوع إلى النصوص القانونية ذات الصلة.

الخلاصة

حسمت الهيئة العامة لمحكمة تمييز دبي، في قرارها الصادر بتاريخ 1 أكتوبر 2024 في القضية رقم 10 لسنة 2024 – قرارات الهيئة العامة – التمييز، مسألة الحجز على حسابات ضمان التطوير العقاري، وقررت عدم جواز توقيع الحجز التحفظي أو التنفيذي لصالح دائني المطور على الأموال المودعة في حساب ضمان المشروع العقاري، بصرف النظر عن نوع الدين أو سنده، ولو كان حكمًا قضائيًا.

وأكد القرار أن الحماية القانونية تتعلق بحقيقة الأموال وتخصيصها للمشروع، وأن تغيير اسم الحساب لا يزيل هذه الحماية متى ثبت أن الأموال أودعت وفقًا للمادة (9) من القانون رقم (8) لسنة 2007.

ويشكل هذا المبدأ سندًا مهمًا في المنازعات التنفيذية المتعلقة بمشروعات البيع على الخارطة، ويؤكد ضرورة التحقق من مشروعية الحجز على المال محل التنفيذ، وعدم الخلط بين ثبوت الدين وجواز التنفيذ على أموال يحظر القانون الحجز عليها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...