10/20/2026

الفرق بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة عقارية مكتملة في دبي: متى يجب اللجوء إلى دائرة الأراضي والأملاك قبل رفع الدعوى؟

 


                                                              

 

 

مقدمة

يُعد تحديد الطبيعة القانونية لعقد بيع الوحدة العقارية من المسائل الجوهرية في المنازعات العقارية بإمارة دبي؛ إذ قد يترتب على وصف البيع بأنه بيع على الخارطة خضوع النزاع لإجراءات خاصة تسبق اللجوء إلى القضاء، بينما يخضع بيع الوحدة العقارية المكتملة، في الحالات التي لا يسري عليها قانون السجل العقاري المبدئي، للقواعد العامة في العقود.

وقد أكدت محكمة التمييز بدبي هذا المبدأ في حكمها الصادر في الطعن العقاري رقم 547 لسنة 2023/458، بجلسة 12 ديسمبر 2023، بعد إعادة نظر الطعن في ضوء قرار الرجوع الصادر بتاريخ 5 مارس 2024. وقرر الحكم أن العبرة في تحديد القانون الواجب التطبيق ليست بمجرد وصف العقد أو المستندات، وإنما بحقيقة التصرف والواقع الفعلي للوحدة العقارية.

وتكمن أهمية الحكم في أنه يضع معيارًا عمليًا للتمييز بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة مكتملة، ويحدد أثر هذا التمييز في قبول الدعوى والإجراءات الواجب اتباعها قبل رفعها.

أولًا: وقائع النزاع

تتلخص وقائع الدعوى في أن شركة عقارية باعت وحدة عقارية إلى مشترين بموجب عقد مؤرخ 7 يونيو 2020، باعتبارها وحدة مكتملة الإنجاز، لقاء ثمن إجمالي قدره 854,888 درهمًا، سدد المشتريان منه مبلغ 285,575 درهمًا، على أن يسدد باقي الثمن على أقساط.

وبعد توقف المشتريين عن سداد الأقساط المستحقة، أخطرتهما الشركة بفسخ العقد وفقًا للبند المتعلق بالتأخر في السداد، ثم أقامت دعوى أمام المحكمة طالبة فسخ العقد، ورد الوحدة وتسليمها إليها، وإلغاء تسجيلها باسم المشتريين وإعادة تسجيلها باسم الشركة، فضلًا عن طلبات مالية وتعويضية أخرى.

قضت محكمة أول درجة بفسخ العقد ورد الوحدة إلى الشركة، إلا أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم وقضت بعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه القانون، على أساس وجوب اتباع الإجراءات الخاصة المنصوص عليها في التشريع المنظم للسجل العقاري المبدئي.

طعنت الشركة على الحكم، وتمسكت بأن البيع انصب على وحدة مكتملة الإنجاز، وأن النزاع يخضع للقواعد العامة في العقود، وليس للإجراءات الخاصة المقررة للبيع على الخارطة.

وانتهت محكمة التمييز إلى صحة هذا النعي، وقررت نقض الحكم المطعون فيه وإحالة الدعوى، تأسيسًا على أن الوحدة كانت مكتملة الإنجاز قبل رفع النزاع، بما يجعل القواعد العامة هي الواجبة التطبيق وفق ظروف القضية.

ثانيًا: متى يعتبر البيع بيعًا على الخارطة، ومتى يخضع للقواعد العامة؟

قررت محكمة التمييز، استنادًا إلى المبادئ الصادرة عن الهيئة العامة للمحكمة، أن القانون رقم (13) لسنة 2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي في إمارة دبي لا يسري على النزاع المتعلق بوحدة لم يسبق تسجيلها في السجل العقاري المبدئي في حالتين أساسيتين:

الحالة الأولى: اكتمال إنشاء الوحدة قبل بدء النزاع أمام المحاكم.

إذا كانت الوحدة قد اكتمل إنشاؤها قبل إقامة الدعوى، فإن النزاع ينصب على وحدة عقارية مكتملة، ولا يُعد نزاعًا على وحدة لا تزال على الخارطة لمجرد أن العقد أُبرم قبل اكتمال المشروع.

الحالة الثانية: تسجيل الوحدة المتنازع عليها في السجل العقاري خلال أي مرحلة من مراحل التقاضي.

أوضح الحكم أن تسجيل الوحدة في السجل العقاري ينشئ رابطة قانونية ناقلة للملكية لها حجيتها، وهو ما يترتب عليه، في الحالة التي تناولها المبدأ القضائي، عدم سريان القانون المنظم للسجل العقاري المبدئي على النزاع، وخضوعه للقواعد العامة في العقود.

وفي هاتين الحالتين، تكون القواعد العامة للعقود هي المرجع في تحديد حقوق الطرفين والتزاماتهما، وفق التشريعات السارية على النزاع.

ومؤدى ذلك أن مجرد إبرام عقد البيع قبل اكتمال المشروع لا يكفي وحده لاعتبار النزاع بيعًا على الخارطة؛ بل يجب التحقق من حالة الوحدة وقت رفع الدعوى، ومن وضعها في السجلات العقارية.

ثالثًا: العبرة بحقيقة الواقع لا بمسمى العقد أو الشهادة العقارية

من المبادئ المهمة التي أكدها الحكم أن تحديد القانون الواجب التطبيق على التصرف يكون وفق حقيقة المقصود منه والواقع الفعلي، وليس بمجرد الألفاظ أو المسميات الواردة في العقد أو الشهادات الصادرة عن دائرة الأراضي والأملاك إذا كانت لا تعكس حقيقة الوضع.

وهذا المبدأ يمنع الاكتفاء بالوصف الشكلي للمستندات دون فحص الحالة الفعلية للوحدة العقارية.

فقد يكون العقد قد أُبرم في مرحلة سابقة على اكتمال المشروع، إلا أن الوحدة تكون قد اكتملت بالفعل قبل رفع الدعوى. وقد توجد مستندات تسجيل عقاري تختلف في طبيعتها وآثارها، بما يستلزم التحقق من نوع التسجيل وما إذا كان قد تم في السجل العقاري المبدئي وفق النموذج المقرر قانونًا.

وفي النزاع محل الحكم، استندت المحكمة إلى عدة عناصر، منها:

  • الاستعلام العقاري الصادر عن دائرة الأراضي والأملاك، الذي أثبت اكتمال المشروع بتاريخ 5 سبتمبر 2019.

  • تقرير الخبير الذي أثبت تمكين المشتريين من حيازة الوحدة بتاريخ 6 أغسطس 2020.

  • ما ورد بشأن تسجيل الوحدة باسم المشتريين في التاريخ ذاته وفق شهادة بيع مبدئي.

  • خلو الأوراق مما يثبت تسجيل الوحدة في السجل العقاري المبدئي وفق النموذج المعد لذلك.

وبناءً على هذه العناصر، خلصت المحكمة إلى أن عقد البيع المؤرخ 7 يونيو 2020 انصب على وحدة مكتملة الإنجاز قبل قيد الدعوى في 29 سبتمبر 2022.

ومن ثم، فإن العبرة لم تكن بمجرد وصف التسجيل أو طبيعة المشروع، وإنما بحقيقة حالة الوحدة والمستندات التي تثبت ذلك.

رابعًا: هل يجب اللجوء إلى دائرة الأراضي والأملاك قبل رفع دعوى فسخ البيع؟

يتوقف تحديد الإجراء الواجب اتباعه على الطبيعة القانونية للبيع والقانون الذي يحكم النزاع.

ففي الحالات التي يخضع فيها النزاع للإجراءات الخاصة المقررة لعقود البيع على الخارطة بموجب التشريعات المنظمة للسجل العقاري المبدئي، يجب مراعاة تلك الإجراءات قبل اللجوء إلى المحكمة، متى كان القانون يوجب ذلك. وقد يؤدي عدم اتباع الطريق القانوني المقرر إلى الحكم بعدم قبول الدعوى.

أما إذا ثبت أن الوحدة كانت مكتملة الإنجاز قبل رفع الدعوى، وأن النزاع لا يخضع للقانون المنظم للسجل العقاري المبدئي في ضوء المبادئ التي قررها الحكم، فإن النزاع يخضع للقواعد العامة في العقود، ويكون رفع الدعوى بالطريق العادي للتقاضي صحيحًا.

وهنا تظهر أهمية الحكم؛ إذ نقض قضاء عدم قبول الدعوى الذي أقامته محكمة الاستئناف على أساس عدم اتباع الإجراءات الخاصة، بعدما تبين أن الوحدة محل النزاع كانت مكتملة الإنجاز قبل رفع الدعوى.

وبالتالي، لا يجوز افتراض وجوب اتباع إجراءات البيع على الخارطة في كل نزاع عقاري لمجرد أن المشروع كان في الأصل مشروعًا قيد الإنشاء؛ بل يجب أولًا تحديد حالة الوحدة والقانون المنطبق عليها.

خامسًا: تطبيق المبدأ على النزاع محل الحكم

لما كان ما تقدم، وكان الثابت من أوراق الدعوى أن المشروع قد اكتمل إنجازه بتاريخ 5 سبتمبر 2019، وأن عقد البيع أُبرم في 7 يونيو 2020، وأن المشتريين تسلما الوحدة بتاريخ 6 أغسطس 2020، في حين لم تُرفع الدعوى إلا بتاريخ 29 سبتمبر 2022، فإن الوحدة كانت مكتملة قبل إقامة النزاع أمام المحكمة.

كما أن الأوراق لم تثبت تسجيل الوحدة في السجل العقاري المبدئي وفق النموذج المقرر لذلك، الأمر الذي استخلصت منه المحكمة أن النزاع لا يخضع للإجراءات الخاصة التي استند إليها الحكم المطعون فيه.

ومن ثم، فإن تطبيق أحكام القانون رقم (13) لسنة 2008، المعدل بالقانون رقم (19) لسنة 2020، على أساس أن البيع انصب على وحدة مباعة على الخارطة، لم يكن متفقًا مع حقيقة الواقع الثابت بالأوراق.

وانتهت محكمة التمييز إلى أن رفع الشركة دعواها بالطريق العادي للتقاضي قد صادف صحيح القانون، وأن الحكم الذي قضى بعدم قبولها لعدم اتباع الإجراءات الخاصة قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه، بما يوجب نقضه والإحالة.

ومن المهم التنبيه إلى أن الحكم لم يفصل نهائيًا في جميع الطلبات الموضوعية المتعلقة بفسخ العقد أو المبالغ المستحقة؛ وإنما نقض الحكم المطعون فيه وأحال الدعوى، بعد أن حسم المسألة المتعلقة بالطريق الإجرائي الواجب اتباعه.

سادسًا: الأثر العملي للحكم على المشترين والمطورين العقاريين

بالنسبة إلى المطور العقاري

قبل رفع دعوى لفسخ عقد البيع واسترداد الوحدة بسبب إخلال المشتري بالسداد، ينبغي للمطور التحقق من حالة الوحدة العقارية، وتاريخ اكتمالها، ووضعها في السجلات العقارية، ثم تحديد الإجراءات القانونية الواجبة التطبيق.

فاتباع إجراء غير واجب قانونًا قد يؤدي إلى تأخير الفصل في النزاع أو صدور حكم بعدم قبول الدعوى، بينما قد يؤدي إغفال إجراء خاص يوجبه القانون إلى النتيجة ذاتها.

بالنسبة إلى المشتري

لا يكفي التمسك بأن العقد أُبرم على مشروع عقاري كان قيد الإنشاء لإخضاع النزاع تلقائيًا لأحكام البيع على الخارطة؛ بل ينبغي فحص ما إذا كانت الوحدة قد اكتملت قبل رفع الدعوى، وما إذا كانت مسجلة في السجل العقاري المبدئي أو في السجل العقاري وفق الأوضاع القانونية ذات الصلة.

كما يجب التمييز بين اكتمال المشروع ككل واكتمال الوحدة محل النزاع، متى كانت المستندات تثير هذا التمييز، وعدم الاكتفاء بمعلومات عامة عن المشروع.

بالنسبة إلى المحامين والممارسين القانونيين

يبرز الحكم أهمية تأسيس الدفع المتعلق بعدم اتباع الطريق القانوني الصحيح على المستندات التي تثبت الطبيعة الحقيقية للوحدة العقارية، لا على مجرد وصف العقد.

ومن المستندات التي قد تكون مؤثرة في هذا السياق: الاستعلام العقاري، وشهادة التسجيل، وعقد البيع، ومحضر أو مستند تسليم الوحدة، وتقرير الخبير، وما يثبت تاريخ اكتمال الإنجاز.

سابعًا: الخلاصة القانونية

يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي في الطعن العقاري رقم 547 لسنة 2023/458 أن التفرقة بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة مكتملة ليست مسألة شكلية، بل يترتب عليها تحديد القانون الواجب التطبيق والطريق الإجرائي الذي يتعين على الخصوم اتباعه.

فإذا كانت الوحدة قد اكتملت قبل إقامة الدعوى، أو تحقق أحد الاستثناءات التي قررتها المبادئ القضائية بشأن التسجيل، فقد لا يسري القانون المنظم للسجل العقاري المبدئي على النزاع، وتكون القواعد العامة في العقود هي الواجبة التطبيق، وفق ظروف الحالة والتشريعات السارية.

أما إذا كان النزاع خاضعًا فعلًا للإجراءات الخاصة المقررة للبيع على الخارطة، فيجب مراعاة تلك الإجراءات متى أوجبها القانون، وإلا تعرضت الدعوى لخطر عدم القبول.

والقاعدة الأساسية التي يرسخها الحكم هي أن تحديد القانون الواجب التطبيق يبدأ من حقيقة الوضع العقاري وقت النزاع، وليس من مجرد تسمية العقد أو وصف المشروع بأنه بيع على الخارطة.


بيانات الحكم

  • المحكمة: محكمة التمييز بدبي.

  • رقم الطعن: 547 لسنة 2023/458 – طعن عقاري.

  • تاريخ الحكم الأصلي: 12 ديسمبر 2023.

  • إجراء لاحق: صدر قرار بقبول طلب الرجوع وإحالة الطعن إلى دائرة أخرى بتاريخ 5 مارس 2024.

  • موضوع الحكم: التفرقة بين البيع على الخارطة والبيع على وحدة مكتملة، ومدى سريان قانون السجل العقاري المبدئي، وأثر ذلك على قبول الدعوى والطريق الواجب اتباعه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...