هل
يمكن حبس مدير الشركة أو منعه من السفر بسبب دين على الشركة ؟؟؟
تخيل أن لديك حكمًا نهائيًا ضد شركة،
وبدأت إجراءات التنفيذ، لكنك فوجئت بأن الشركة أغلقت أبوابها، أو توقفت عن النشاط،
أو أن أموالها لم تعد ظاهرة، أو أن مديرها لا يقدم المستندات والبيانات التي تكشف
حقيقة وضعها المالي.
هنا يثور سؤال مهم جدًا :
هل تستطيع اتخاذ إجراءات تنفيذية ضد
مدير الشركة رغم أن الحكم صادر ضد الشركة وليس ضده شخصيًا؟
الإجابة التي حسمتها الهيئة العامة لمحكمة النقض بأبوظبي في حكم حديث ﺍﻟﻄﻠﺐ ﺭﻗﻢ 5 ﻟﺴﻨﺔ 2026 ﻫﻴﺌﺔ ﻋﺎﻣﺔ ﻣﺪﻧﻲ صادر بجلسة 29 يونيو 2026 تستحق التوقف أمامها.
الحكم
حسم خلافًا قضائيًا
الموضوع لم يكن مجرد خلاف عادي، وإنما
كان هناك بالفعل اتجاهان مختلفان في أحكام المحكمة.
اتجاه كان يرى أن اتخاذ إجراءات ضد
مدير الشركة يحتاج إلى إثبات أمور مثل الغش أو الاحتيال أو إساءة استعمال السلطة
أو مخالفة القانون، أو وجود سند يقرر مسؤوليته الشخصية عن الدين.
وفي المقابل، كان هناك اتجاه آخر يرى
أن امتناع المدير عن تقديم البيانات والمستندات المالية التي تكشف أموال الشركة
وحركتها، إذا أدى إلى تعطيل التنفيذ، قد يكون سببًا كافيًا لاتخاذ الإجراءات
القانونية ضده.
ولأن وجود مبدأين متعارضين يسبب
اختلافًا في التطبيق، أُحيل الأمر إلى الهيئة العامة لمحكمة النقض لحسم المسألة
وتوحيد المبدأ.
المفاجأة: ليس شرطًا أن يكون المدير
مدينًا شخصيًا!
المبدأ
الذي قررته الهيئة العامة مهم جدًا.
فقد قررت أن إجراءات مثل الحبس أو
المنع من السفر يمكن اتخاذها في مواجهة ممثل الشخص الاعتباري أو الغير، حتى لو لم
يكن هناك سند تنفيذي صادر ضده شخصيًا، متى ثبت أنه قام بتصرفات غير عادية تسببت في
منع التنفيذ أو تعطيله.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا:
المحكمة لم تشترط أن يكون المدير قد
ارتكب غشًا أو تدليسًا بالضرورة.
فحتى سوء التدبير يمكن أن يكون كافيًا،
إذا كان هذا السلوك قد أدى فعليًا إلى تعطيل وصول الدائن إلى أموال الشركة وتنفيذ
الحكم.
طيب، إيه المقصود بتعطيل التنفيذ؟
الصورة التي وضعتها الهيئة العامة
واضحة.
قد يكون التعطيل مباشرًا، مثل إخفاء
أموال الشركة أو تهريبها.
وقد يكون غير مباشر، مثل التلاعب في
الميزانيات أو المستندات التي يفترض أن تكشف حقيقة أموال الشركة القابلة للتنفيذ
عليها.
بل إن التصرف الذي أدى إلى تعطيل
التنفيذ ليس من الضروري أن يكون قد حدث بعد صدور الحكم.
فالهيئة العامة قررت أن التصرفات قد
تكون سابقة على صدور السند التنفيذي أو متزامنة مع إجراءات التنفيذ، طالما كان لها
أثر في منع التنفيذ أو تعطيله.
طيب لو الشركة قفلت أبوابها؟
هنا السؤال الذي يتكرر كثيرًا في
الواقع العملي:
ماذا يفعل الدائن إذا صدر له حكم ضد
شركة، ثم اكتشف أن الشركة أغلقت أبوابها، ولم تعد تمارس نشاطها، ولا يستطيع الوصول
إلى أموالها أو معرفة أين ذهبت؟
مجرد إغلاق الشركة لا يعني تلقائيًا أن
المدير أصبح مسؤولًا شخصيًا عن الدين، وهذه نقطة مهمة جدًا.
لكن إذا تبين أن إغلاق الشركة أو
التصرفات التي تمت قبل أو أثناء التنفيذ كانت جزءًا من سلوك أدى إلى إخفاء أموال الشركة
أو تهريبها أو التلاعب بالمستندات والبيانات المالية بما عطل التنفيذ، فهنا تصبح
المسألة مختلفة تمامًا.
فالهيئة العامة لمحكمة النقض قررت أن
اتخاذ إجراءات الحبس أو المنع من السفر في مواجهة ممثل الشخص الاعتباري لا يتوقف
على وجود سند تنفيذي شخصي ضده، وإنما مناطه أن يكون قد ارتكب تصرفات غير عادية أدت
إلى منع التنفيذ أو تعطيله، سواء كان ذلك عن طريق الغش والتدليس أو حتى مجرد سوء
التدبير.
وهنا تظهر أهمية التحقيق في ملف
التنفيذ:
هل الشركة أغلقت بشكل طبيعي؟ أم أن
هناك تصرفات قام بها المدير أدت إلى اختفاء أموال الشركة وتعطيل تنفيذ الحكم؟
الفرق بين الحالتين كبير جدًا.
ففي الحالة الأولى، مجرد توقف الشركة
أو إغلاقها لا يكفي وحده لاتخاذ إجراءات شخصية ضد المدير.
أما
في الحالة الثانية، فإذا ثبت أن المدير اتخذ تصرفات غير عادية أدت إلى تعطيل
التنفيذ، فقد يتدخل قاضي التنفيذ لاتخاذ الإجراءات التي أجازها القانون، حتى ولو
كان الحكم الأصلي صادرًا ضد الشركة وليس ضد المدير شخصيًا.
وماذا عن مدير الشركة الذي يقول: «أنا مش
المدين»؟
هنا تحديدًا تكمن أهمية الحكم.
صحيح أن أصل الدين قد يكون على الشركة،
وليس على المدير بصفته الشخصية.
لكن إذا كان المدير هو الذي قام
بتصرفات أدت إلى تعطيل تنفيذ الحكم، فإن المسألة تتحول من مجرد دين على الشركة إلى
بحث في سلوك المدير نفسه وأثر هذا السلوك على التنفيذ.
بمعنى آخر:
المدير لا يُلاحق لمجرد أن الشركة
مدينة، وإنما قد يُتخذ الإجراء ضده بسبب التصرف الذي قام به وأدى إلى تعطيل
التنفيذ.
وهذا فرق قانوني مهم جدًا.
هل
يستطيع قاضي التنفيذ أن يقرر ذلك؟
الهيئة العامة أعطت قاضي التنفيذ دورًا
مهمًا في هذه المسألة.
فالقاضي ينظر إلى المستندات والوقائع
الموجودة أمامه، وله أن يجري تحقيقًا مختصرًا إذا لم تكن المستندات كافية، ثم يقدر
ما إذا كانت تصرفات ممثل الشركة قد أدت بالفعل إلى منع التنفيذ أو تعطيله.
لكن هذه السلطة ليست مطلقة؛ إذ يجب أن
يكون ما ينتهي إليه القاضي له أصل ثابت في الأوراق وأن يكون استخلاصه سائغًا.
كما أن المادة 320 من قانون الإجراءات
المدنية تلزم قاضي التنفيذ بإجراء تحقيق مختصر قبل إصدار أمر الحبس إذا لم تكن
المستندات المؤيدة للطلب كافية.
الخلاصة
هذا الحكم يوجه رسالة واضحة في مجال
التنفيذ:
ليس كافيًا أن يقول مدير الشركة:
«الحكم ليس ضدي، وإنما ضد الشركة».
فإذا ثبت أنه قام بتصرفات غير عادية،
سواء كانت غشًا أو تدليسًا أو حتى سوء تدبير، وأدت هذه التصرفات إلى منع تنفيذ
الحكم أو تعطيله، فقد يجوز اتخاذ إجراءات تنفيذية بحقه، ومنها الحبس أو المنع من
السفر وفق الضوابط القانونية.
والأهم أن الهيئة العامة حسمت التعارض
القضائي وأقرت هذا المبدأ باعتباره المبدأ المعتمد، بما يعزز سلطة قاضي التنفيذ في
مواجهة التصرفات التي تؤدي إلى إفراغ الحكم من مضمونه وتعطيل حق الدائن في التنفيذ.
ببساطة: الحكم على الشركة، لكن إذا كان
المدير هو الذي يعطل تنفيذ الحكم بتصرفاته، فهنا قد تبدأ مسؤوليته التنفيذية
الشخصية.
وهذا يجعل الحكم من الأحكام المهمة
جدًا لكل دائن يواجه شركة أغلقت أبوابها أو تماطل في التنفيذ، ولكل مدير شركة يجب
أن يدرك أن دوره لا ينتهي بمجرد القول إن الدين ليس في ذمته الشخصية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق