مبدأ قضائي مهم من محكمة نقض أبوظبي يضع حدًا فاصلاً بين غرامة التأخير والتعويض عن عدم تنفيذ الالتزامات التعاقدية.
تُعد غرامة التأخير من أكثر المسائل إثارةً للنزاع في عقود المقاولات، إذ كثيرًا ما يتمسك صاحب العمل باستحقاقها عند عدم اكتمال المشروع في الموعد المحدد، دون التمييز بين التأخر في تسليم الأعمال بعد إنجازها، وبين عدم تنفيذ الأعمال المتفق عليها أصلًا أو تنفيذ جزء منها دون استكمال الباقي.
وقد حسم القضاء هذه المسألة بمبدأ بالغ الأهمية، مؤداه أن غرامة التأخير لا تستحق لمجرد عدم اكتمال الأعمال، وإنما يرتبط استحقاقها بتحقق شروط محددة، تختلف عن شروط استحقاق التعويض عن الإخلال العقدي.
أولًا: غرامة التأخير ليست تعويضًا عن عدم تنفيذ الأعمال
قررت محكمة نقض أبوظبي في حكمها الصادر في الطعن رقم 1064 لسنة 2019 تجاري، بجلسة 6 يناير 2020، أن مناط إلزام المقاول بغرامة التأخير المتفق عليها هو أن يكون قد أنجز جميع الأعمال المكلف بها، ولكنه تأخر في تسليمها إلى صاحب العمل عن الموعد المحدد.
ومؤدى ذلك أن غرامة التأخير تفترض تنفيذ الالتزام، مع حصول التأخير في الوفاء به.
أما إذا لم ينفذ المقاول الأعمال المكلف بها أصلًا، أو نفذ بعضها دون البعض الآخر، وترتب على ذلك فسخ عقد المقاولة، فلا يكون هناك محل لإعمال غرامة التأخير المتفق عليها.
ثانيًا: متى يستحق صاحب العمل التعويض عن عدم التنفيذ؟
أكد الحكم ذاته أن عدم استحقاق غرامة التأخير لا يعني سقوط حق صاحب العمل في التعويض عن الأضرار الناجمة عن إخلال المقاول بالتزاماته.
فإذا لم يتم تنفيذ الأعمال كليًا أو جزئيًا، وأراد صاحب العمل المطالبة بالتعويض، فإنه يتعين عليه إثبات:
إخلال المقاول بالتزاماته العقدية.
تحقق الضرر الذي أصاب صاحب العمل.
العلاقة السببية بين الإخلال والضرر.
مقدار التعويض المستحق، وفقًا لما لحقه من ضرر وما فاته من كسب.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المطالبة بغرامة التأخير الاتفاقية، والمطالبة بالتعويض عن عدم التنفيذ؛ فلكل منهما أساس قانوني وشروط استحقاق مختلفة.
ثالثًا: هل يجوز الجمع بين غرامة التأخير والتعويض عن عدم التنفيذ؟
يتعين التمييز بين طبيعة الالتزام محل الإخلال والجزاء المتفق عليه في العقد.
فغرامة التأخير ترتبط بالتأخر في تنفيذ الالتزام وتسليمه، بينما التعويض عن عدم التنفيذ يستند إلى إخلال تعاقدي ترتب عليه ضرر يستوجب الجبر.
ولا يجوز الخلط بينهما أو المطالبة بغرامة التأخير باعتبارها تعويضًا تلقائيًا عن عدم تنفيذ الأعمال، دون التحقق من توافر شروط استحقاقها.
رابعًا: عبء إثبات الضرر في الشرط الجزائي
الأصل أن الاتفاق على الشرط الجزائي يجعل الضرر مقدرًا باتفاق الطرفين، فلا يُكلف الدائن بإثباته، وإنما يقع على المدين عبء إثبات عدم تحقق الضرر أو المبالغة في تقدير التعويض المتفق عليه، وذلك وفقًا للأحكام القانونية المنظمة للتعويض الاتفاقي.
إلا أن هذا الأصل لا يُغني عن التحقق من طبيعة الإخلال الذي يستوجب تطبيق الشرط الجزائي، ومدى انطباقه على الواقعة محل النزاع.
فوجود شرط جزائي في العقد لا يعني استحقاقه في جميع الأحوال، وإنما يتعين أولًا تحديد ما إذا كان الإخلال يتمثل في التأخير أم في عدم التنفيذ.
خامسًا: كيف يمكن الاستفادة من هذا المبدأ في المنازعات القضائية؟
يمثل هذا الحكم سندًا قانونيًا مهمًا في المنازعات الناشئة عن عقود المقاولات، خاصةً في الحالات التي:
يتمسك صاحب العمل بغرامة التأخير رغم عدم اكتمال الأعمال المتعاقد عليها.
يتم فسخ العقد وسحب الأعمال من المقاول قبل استكمالها.
يتم الخلط بين غرامة التأخير والتعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم التنفيذ.
يتمسك المقاول بعدم استحقاق الغرامة لعدم تحقق شروطها العقدية والقانونية.
يطالب صاحب العمل بالتعويض دون بيان الأضرار الفعلية وعلاقتها بالإخلال العقدي.
وفي هذه الحالات، يكون من الضروري تحديد طبيعة الالتزام، ومدى تنفيذه، وسبب عدم اكتماله، ثم تحديد الجزاء القانوني الصحيح المترتب على ذلك.
الخلاصة
ليس كل تأخير في تنفيذ عقد المقاولة موجبًا لاستحقاق غرامة التأخير، وليس كل عدم تنفيذ موجبًا لتطبيق الشرط الجزائي المتفق عليه.
فالعبرة بطبيعة الإخلال ومدى تنفيذ الالتزام، وما إذا كان الأمر يتعلق بالتأخر في التسليم بعد الإنجاز، أم بعدم تنفيذ الأعمال كليًا أو جزئيًا.
وهذا هو المبدأ الذي أكدته محكمة نقض أبوظبي، بما يحقق التوازن بين حقوق صاحب العمل والمقاول، ويمنع تطبيق الجزاءات العقدية على غير أساسها القانوني الصحيح.
المبدأ القضائي: محكمة نقض أبوظبي – الطعن رقم 1064 لسنة 2019 تجاري – جلسة 6/1/2020.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق