10/31/2026

كيف تحصل على أموالك إذا كان المدين له مستحقات لدى شخص أو شركة أخرى؟

 


الحجز على ما للمدين لدى الغير في قانون الإجراءات المدنية الإماراتي

إقرار المحجوز لديه بالمديونية وامتناعه عن الوفاء: بين طلب الأمر بالدفع وحق التنفيذ على أمواله

إعداد: محمود عبدالرحمن – مستشار قانوني

مقدمة

يُعد الحجز على ما للمدين لدى الغير من الوسائل القانونية الفعالة التي كفلها المشرع للدائن بهدف حماية حقه الثابت في ذمة المدين، وتمكينه من الوصول إلى الأموال المستحقة لمدينه الموجودة تحت يد الغير، بدلًا من اقتصار إجراءات التنفيذ على الأموال المملوكة للمدين والموجودة في حيازته المباشرة.

وقد نظم المشرع الإماراتي أحكام هذا النوع من الحجز ضمن الكتاب الثالث المتعلق بالتنفيذ من قانون الإجراءات المدنية الصادر بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022، واضعًا إطارًا إجرائيًا متكاملًا يبدأ بتوقيع الحجز، ويمر بمرحلة التقرير بما في الذمة، وينتهي بتمكين الدائن من استيفاء حقه من الأموال المحجوزة.

غير أن التطبيق العملي يثير إشكالية مهمة عندما يقر المحجوز لديه صراحةً بوجود مديونية مستحقة في ذمته لصالح المدين المحجوز عليه، ثم يمتنع عن إيداعها أو الوفاء بها رغم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وهنا يثور التساؤل حول الوسائل القانونية المتاحة للدائن الحاجز، ومدى إمكانية إلزام المحجوز لديه بالوفاء مباشرةً، ثم التنفيذ على أمواله في حالة استمرار امتناعه، دون أن يصبح الحجز لدى الغير مجرد إجراء شكلي لا يحقق الغاية التي شرع من أجلها.

أولًا: ماهية الحجز على ما للمدين لدى الغير وطبيعته القانونية

الحجز على ما للمدين لدى الغير هو إجراء تنفيذي يهدف إلى وضع الأموال أو الحقوق المالية المستحقة للمدين والموجودة في حيازة شخص آخر تحت يد القضاء، ومنع المحجوز لديه من تسليمها إلى المدين، مع تمكين الدائن الحاجز من استيفاء حقه منها وفقًا للإجراءات القانونية.

ويشمل ذلك، على سبيل المثال لا الحصر:

  • المبالغ المستحقة للمدين لدى الشركات التجارية.

  • الأرصدة والحسابات المصرفية.

  • مستحقات المدين الناشئة عن العقود التجارية.

  • المبالغ المستحقة لدى جهات العمل.

  • الحقوق المالية الناشئة عن التعاملات المختلفة، ولو كانت مؤجلة أو معلقة على شرط، وفقًا لأحكام القانون.

وقد أجازت المادة (252) من قانون الإجراءات المدنية الحجز على المنقولات المملوكة للمدين والديون المستحقة له في ذمة الغير، ولو كانت مؤجلة أو معلقة على شرط أو محل نزاع.

ويترتب على توقيع الحجز إخضاع الأموال المحجوزة للإجراءات القانونية المقررة، بما يحول دون تسليمها إلى المدين المحجوز عليه، ويضمن المحافظة عليها لمصلحة الدائن الحاجز.

ثانيًا: التزام المحجوز لديه بالتقرير بما في ذمته

أوجب المشرع على المحجوز لديه الالتزام بتقديم تقرير بما في ذمته، يتضمن بيان الأموال أو المديونيات الموجودة لديه لصالح المدين المحجوز عليه، مع بيان مقدار الدين وسببه وما قد يؤدي إلى انقضائه، وإرفاق المستندات المؤيدة لذلك.

ويستهدف هذا الالتزام تمكين المحكمة والدائن الحاجز من الوقوف على حقيقة الأموال المحجوزة، وتحديد نطاق الحجز ومقداره، وضمان عدم إخفاء الأموال أو التصرف فيها على نحو يضر بحقوق الدائنين.

ومن ثم، فإن التقرير بما في الذمة ليس مجرد إجراء شكلي، وإنما التزام قانوني جوهري تترتب على الإخلال به آثار حددها المشرع صراحةً.

ثالثًا: المسؤولية القانونية للمحجوز لديه وفقًا للمادة (259)

نظمت المادة (259) من قانون الإجراءات المدنية المسؤولية المترتبة على إخلال المحجوز لديه بواجباته المتعلقة بالتقرير بما في ذمته، فنصت على جواز الحكم عليه بالمبلغ المحجوز من أجله، إذا لم يقرر بما في ذمته على الوجه المقرر قانونًا، أو قدم تقريرًا غير كافٍ أو غير صحيح، أو أخفى الأوراق الواجب عليه إيداعها لتأييد تقريره.

ويكون ذلك من خلال دعوى مستقلة تُرفع بالإجراءات المعتادة، خلال مدة ثلاث سنوات من تاريخ صدور قرار التقرير بما في الذمة.

كما أوجبت المادة ذاتها إلزام المحجوز لديه بمصروفات الدعوى والتعويضات المترتبة على تقصيره أو تأخيره، مع تقرير حقه في الرجوع على المدين المحجوز عليه بما أداه للدائن الحاجز.

ومؤدى ذلك أن المادة (259) تعالج المسؤولية القضائية للمحجوز لديه الناشئة عن إخلاله بالتزاماته القانونية في مرحلة التقرير بما في ذمته، وتحدد الحالات التي يجوز فيها الحكم عليه بالمبلغ المحجوز من أجله.

رابعًا: حق الدائن الحاجز في طلب الأمر بالدفع وفقًا للمادة (260)

لم يقف المشرع عند تنظيم مسؤولية المحجوز لديه عن الإخلال بواجباته، وإنما قرر طريقًا آخر لاستيفاء حق الدائن الحاجز، وذلك بموجب المادة (260) من قانون الإجراءات المدنية، التي تنص على أنه:

«إذا كان حق الحاجز ثابتًا بسند تنفيذي جاز له فور التقرير بما في الذمة أن يطلب من قاضي التنفيذ إصدار أمر إلى المحجوز لديه بأن يدفع إلى الحاجز المبلغ الذي أقر به أو ما يفي منه بحق الحاجز بشرط اتباع الإجراءات المنصوص عليها في المادة (238) من هذا القانون».

ويستفاد من هذا النص أن المشرع قد منح الدائن الحاجز الذي يحمل سندًا تنفيذيًا حقًا مباشرًا في طلب إصدار أمر بالدفع، متى أقر المحجوز لديه بوجود المديونية في ذمته.

ويقوم هذا الحق على توافر عدة شروط، أهمها:

  1. أن يكون حق الدائن الحاجز ثابتًا بسند تنفيذي.

  2. أن يكون الحجز قد وقع على أموال أو مديونيات مستحقة للمدين لدى الغير.

  3. أن يقدم المحجوز لديه تقريرًا بما في ذمته يتضمن إقرارًا بوجود المديونية.

  4. أن يلتزم الدائن الحاجز بالإجراءات المنصوص عليها في المادة (238) من القانون.

وبذلك، فإن إقرار المحجوز لديه بالمديونية يشكل أساسًا قانونيًا لطلب إصدار الأمر بالدفع، دون حاجة إلى إقامة دعوى موضوعية جديدة لإثبات أصل المديونية التي أقر بها.

خامسًا: أثر امتناع المحجوز لديه عن الوفاء بعد صدور الأمر بالدفع – المادة (261)

تثور الإشكالية العملية الأهم عندما يصدر قاضي التنفيذ أمرًا إلى المحجوز لديه بأداء المبلغ الذي أقر به، ثم يمتنع المحجوز لديه عن تنفيذ الأمر أو إيداع المبلغ في خزينة المحكمة.

وقد عالج المشرع هذه الحالة صراحةً في المادة (261) من قانون الإجراءات المدنية، التي تقرر أنه:

«إذا لم يحصل الوفاء وفقًا للمادة (260)، ولا الإيداع طبقًا للمواد (244) و(245) و(255) من هذا القانون، كان للحاجز أن ينفذ على أموال المحجوز لديه بموجب سنده التنفيذي مرفقًا به صورة رسمية من تقرير المحجوز لديه، وذلك مع مراعاة ما تنص عليه المادة (233) من هذا القانون».

ويكشف هذا النص عن إرادة تشريعية واضحة في عدم ترك الدائن الحاجز تحت رحمة المحجوز لديه، أو تمكين الأخير من تعطيل استيفاء الحق الثابت بالسند التنفيذي بمجرد الامتنااع عن الوفاء أو الإيداع.

فالمشرع لم يكتفِ بمنح الدائن حق طلب إصدار الأمر بالدفع، وإنما قرر له، عند عدم حصول الوفاء أو الإيداع، حق التنفيذ على أموال المحجوز لديه ذاته.

ويُستفاد من ذلك أن المادة (261) تمثل مرحلة لاحقة ومكملة للمادة (260)، إذ تنتقل الإجراءات من المطالبة بالوفاء بالمبلغ المقر به إلى التنفيذ الجبري على أموال المحجوز لديه، وفقًا للشروط والإجراءات القانونية.

سادسًا: مدى استقلال المادتين (260) و(261) عن أحكام المادة (259)

من المسائل التي تستحق البحث القانوني مدى اعتبار الدعوى المنصوص عليها في المادة (259) الطريق الوحيد لمطالبة المحجوز لديه بالمبلغ المحجوز من أجله، أم أن المادتين (260) و(261) تقرران مسارًا قانونيًا مستقلًا لاستيفاء الدين.

والأقرب إلى دلالة النصوص أن لكل مادة نطاقًا قانونيًا متميزًا:

  • المادة (259): تعالج المسؤولية المترتبة على عدم تقديم التقرير بما في الذمة على الوجه المقرر قانونًا، أو تقديم تقرير غير كافٍ أو غير صحيح، أو إخفاء المستندات.

  • المادة (260): تقرر حق الدائن الحاجز الحاصل على سند تنفيذي في طلب إصدار أمر بالدفع بالمبلغ الذي أقر به المحجوز لديه.

  • المادة (261): تقرر حق الدائن في التنفيذ على أموال المحجوز لديه عند عدم حصول الوفاء أو الإيداع وفقًا للإجراءات المحددة.

ومن ثم، فإن تفسير المادة (259) باعتبارها الطريق الوحيد لاستيفاء الدين قد يؤدي إلى إهدار الأثر القانوني المستقل للمادتين (260) و(261)، وتعطيل الغاية التي استهدفها المشرع من تقريرهما.

سابعًا: التطبيق العملي – امتناع شركة محجوز لديها عن إيداع المبلغ الذي أقرت به

لنفترض أن أحد الدائنين حصل على حكم قضائي نهائي ضد شركة تجارية، وباشر إجراءات التنفيذ بموجبه، وطلب توقيع الحجز على ما للمدين لدى الغير.

وقد أسفرت إجراءات الحجز عن ثبوت مديونية مستحقة للشركة المنفذ ضدها في ذمة شركة أخرى، فتقدمت الشركة المحجوز لديها بتقرير رسمي أقرت فيه بوجود المديونية، وحددت مقدارها، وأبدت موافقتها عليها.

إلا أنها امتنعت بعد ذلك عن إيداع المبلغ في ملف التنفيذ دون أي مبرر قانوني.

في هذه الحالة، يثور التساؤل حول مدى أحقية الدائن الحاجز في اتخاذ الإجراءات التالية:

المرحلة الأولى: طلب إصدار أمر بالدفع

يتقدم الدائن الحاجز بطلب إلى قاضي التنفيذ لإصدار أمر إلى الشركة المحجوز لديها بأداء المبلغ الذي أقرّت به، أو الجزء الذي يفي بحق الدائن، وفقًا للمادة (260).

المرحلة الثانية: التنفيذ على أموال المحجوز لديه

إذا لم تنفذ الشركة المحجوز لديها الأمر الصادر بالدفع، ولم يتم الإيداع وفقًا للإجراءات القانونية، يتمسك الدائن الحاجز بحقه في التنفيذ على أموال الشركة ذاتها، استنادًا إلى المادة (261)، مع إرفاق السند التنفيذي والصورة الرسمية من تقريرها بما في ذمتها.

المرحلة الثالثة: المطالبة بالتعويض عند توافر موجبه

إذا ترتب على تقصير المحجوز لديه أو تأخيره ضرر للدائن الحاجز، أو توافرت إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة (259)، جاز بحث مدى أحقية الدائن في المطالبة بالتعويضات والمصروفات وفقًا لأحكام القانون.

ثامنًا: إشكالية اعتبار مهمة قاضي التنفيذ منتهية بمجرد تقديم التقرير بما في الذمة

قد يثور في التطبيق العملي اتجاه مؤداه أن مهمة قاضي التنفيذ تنتهي عند حدود إجراءات الحجز والتقرير بما في الذمة، وأن مطالبة المحجوز لديه بالمبلغ تستوجب إقامة دعوى مستقلة وفقًا للمادتين (258) و(259).

إلا أن هذا الاتجاه يثير تساؤلًا قانونيًا حول مدى اتساقه مع النصوص الصريحة للمادتين (260) و(261)، اللتين أسندتا إلى قاضي التنفيذ سلطة إصدار أمر بالدفع، وأجازتا للدائن التنفيذ على أموال المحجوز لديه عند عدم الوفاء أو الإيداع.

فإذا كان المشرع قد منح الدائن الحاجز حق طلب إصدار أمر بالدفع من قاضي التنفيذ، فإن القول بانتهاء مهمة القاضي بمجرد تقديم التقرير بما في الذمة قد يؤدي إلى إفراغ هذا النص من مضمونه، ما لم يكن هناك سند إجرائي آخر يبرر هذا التفسير.

ومن ثم، فإن هذه المسألة تستحق بحثًا قضائيًا دقيقًا يوازن بين نطاق اختصاص قاضي التنفيذ، والأحكام الخاصة بمسؤولية المحجوز لديه، والحقوق التي قررها المشرع للدائن الحاجز.

خاتمة

إن الحجز على ما للمدين لدى الغير لا يقتصر أثره على مجرد تجميد الأموال أو منع تسليمها إلى المدين المحجوز عليه، وإنما يستهدف تمكين الدائن من استيفاء حقه الثابت بالسند التنفيذي من الأموال المحجوزة.

وقد رسم المشرع الإماراتي في المواد (259) و(260) و(261) من قانون الإجراءات المدنية مسارات قانونية متكاملة لتحقيق هذه الغاية، تبدأ بتنظيم مسؤولية المحجوز لديه عن إخلاله بواجباته، ثم تقرر للدائن الحاجز حق طلب الأمر بالدفع، وتنتهي بتمكينه من التنفيذ على أموال المحجوز لديه عند عدم الوفاء أو الإيداع.

ومن ثم، فإن إقرار المحجوز لديه بمديونية محددة ومستحقة، ثم امتناعه عن الوفاء بها دون مبرر، يثير مسألة قانونية جدية تتعلق بمدى فاعلية إجراءات الحجز لدى الغير، وضرورة إعمال النصوص التشريعية بما يضمن عدم تعطيل حقوق الدائنين، أو السماح للمحجوز لديه بالاستفادة من امتناعه عن الوفاء.

فالأصل أن الإجراءات التنفيذية ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة قانونية لتحقيق الوفاء بالحقوق الثابتة، ولا يجوز أن تتحول إلى إجراءات شكلية تعطل الوصول إلى الحق أو تنتقص من فعالية السند التنفيذي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...