10/20/2026

فسخ عقد البيع على الخارطة في دبي: متى تُسمع دعوى استرداد الثمن؟ وما حدود المبالغ التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها؟

 


    تُثير منازعات البيع على الخارطة في إمارة دبي إشكاليات قانونية متعددة، لا سيما عند فسخ العقد وإلغاء تسجيل الوحدة العقارية، وما يترتب على ذلك من استرداد المشتري للمبالغ التي سبق أن سددها للمطور العقاري. ومن أبرز هذه الإشكاليات تحديد مدة عدم سماع دعوى استرداد المبالغ، وما إذا كانت تخضع للقواعد الخاصة برد غير المستحق أم للقواعد العامة التي تحكم المنازعات الناشئة عن فسخ العقد.

وفي هذا السياق، أرست محكمة التمييز بدبي، في حكمها الصادر بتاريخ 7 يوليو 2025 في الطعن العقاري رقم 458 لسنة 2025، مبدأً مهمًا بشأن التكييف القانوني لدعوى استرداد الثمن، كما تناول الحكم ضوابط فسخ عقد البيع على الخارطة، وسلطة المحكمة في تحديد النسبة التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها من المبالغ المسددة.

ويكتسب الحكم أهمية عملية للمشترين والمطورين العقاريين؛ لأنه يوضح أن مجرد مرور الزمن لا يكفي للحكم بعدم سماع الدعوى، بل يتعين أولًا تحديد طبيعة الحق المطالب به وسبب نشوئه.

أولًا: وقائع النزاع

تتحصل وقائع الدعوى في أن أحد المشترين أبرم عقدًا بتاريخ 8 يناير 2008 لشراء وحدة عقارية في برج خليفة، لقاء ثمن إجمالي قدره 16,225,888 درهمًا، على أن يكون تاريخ الإنجاز المتوقع في 30 سبتمبر 2009.

وسدد المشتري الدفعات الثلاث الأولى، بما يعادل 40% من إجمالي الثمن، أي مبلغ 6,490,306 دراهم، إلا أنه لم يلتزم بسداد الدفعات التالية وفق جدول السداد المتفق عليه، والذي كانت مواعيده مرتبطة بتواريخ محددة، لا بنسب إنجاز المشروع.

وعلى إثر ذلك، تقدم المطور بطلب إلى دائرة الأراضي والأملاك لإلغاء تسجيل الوحدة، فتم إخطار المشتري بضرورة تنفيذ التزاماته التعاقدية خلال المهلة المحددة. واعترض المشتري طالبًا منحه وقتًا للتفاوض، دون أن يقدم ما يثبت سداد الدفعات المستحقة أو التوصل إلى تسوية مع المطور.

وبتاريخ 22 أبريل 2010، صدرت إفادة من دائرة الأراضي والأملاك تفيد باتباع المطور الإجراءات المقررة، مع الإشارة إلى أن نسبة إنجاز المشروع بلغت 88.40%، وأجيز فسخ العقد والاحتفاظ بنسبة من قيمة الوحدة. ثم تم فسخ العقد وإلغاء تسجيل الوحدة باسم المشتري بتاريخ 30 مايو 2012.

لاحقًا، أقام المشتري دعواه مطالبًا ببطلان إجراءات الفسخ، وفسخ العقد، ورد المبالغ التي سبق أن سددها، مع الفائدة القانونية.

إلا أن محكمة أول درجة قضت بعدم سماع الدعوى لمضي المدة بالنسبة إلى إحدى المدعى عليهما، وأيدت محكمة الاستئناف هذا القضاء، فطعن المشتري عليه أمام محكمة التمييز.

ثانيًا: المبدأ القانوني الأهم — تكييف دعوى استرداد الثمن يحدد مدة عدم سماعها

قررت محكمة التمييز أن تحديد مدة عدم سماع الدعوى بمضي الزمن يتوقف على التكييف الصحيح لواقع النزاع والسبب القانوني الذي يستند إليه الحق المطالب به، فلا يجوز تطبيق القواعد الخاصة برد غير المستحق دون التحقق من انطباقها على حقيقة المطالبة.

واستندت المحكمة إلى المادة (321) من قانون المعاملات المدنية، التي تجيز استرداد غير المستحق إذا تم الوفاء تنفيذًا لدين لم يتحقق سببه أو لدين زال سببه بعد تحققه، وإلى المادة (336) من القانون ذاته، المتعلقة بمدة عدم سماع دعوى الرجوع برد غير المستحق.

وخلصت المحكمة إلى التمييز بين حالتين:

الحالة الأولى: المطالبة برد غير المستحق.

تتحقق عندما يكون الوفاء قد تم لدين لم يتحقق سببه، أو لدين زال سببه بعد الوفاء به. وفي هذه الحالة تسري القواعد الخاصة التي أوردها الحكم بشأن عدم سماع الدعوى بمضي ثلاث سنوات من تاريخ علم الدائن بحقه في الرجوع، مع الحد الأقصى البالغ خمس عشرة سنة من تاريخ نشوء حق الرجوع.

الحالة الثانية: المطالبة باسترداد الثمن باعتبارها أثرًا لفسخ العقد.

إذا كانت الدعوى تدور حول النزاع في فسخ عقد البيع والمطالبة برد الثمن باعتباره أثرًا قانونيًا مترتبًا على الفسخ، فإن القواعد العامة هي التي تطبق، وليس القواعد الخاصة برد غير المستحق.

ومؤدى ذلك أن المطالبة برد الثمن لا تُصنَّف تلقائيًا باعتبارها دعوى رد غير المستحق لمجرد أن المشتري يطلب استرداد مبلغ سبق أن دفعه؛ بل يتعين النظر إلى مصدر الالتزام وطبيعة النزاع والسبب القانوني للمطالبة.

ثالثًا: لماذا نقضت المحكمة الحكم الذي قضى بعدم سماع الدعوى؟

لما كان ما تقدم، وكان الثابت من أوراق الدعوى أن المشتري لم يؤسس مطالبته على مجرد استرداد مبلغ دفعه دون سبب، وإنما طلب إبطال إجراءات الفسخ وفسخ العقد ورد جزء من الثمن الذي سبق سداده، باعتبار أن الرد مترتب على النزاع بشأن الفسخ، فإن تطبيق القواعد الخاصة برد غير المستحق على دعواه يكون قد قام على تكييف غير صحيح.

كما أوضحت المحكمة أن المبالغ التي دفعها المشتري سُددت أثناء قيام عقد البيع، تنفيذًا لالتزام تعاقدي قائم ومستحق الأداء وقت الوفاء. ومن ثم، فإن المطالبة باستردادها في إطار النزاع بشأن فسخ العقد تخضع للقواعد العامة، ولا يصح إخضاعها تلقائيًا لأحكام رد غير المستحق.

وبناءً عليه، رأت محكمة التمييز أن الحكم الذي قضى بعدم سماع الدعوى لمضي المدة قد أخطأ في تطبيق القانون، فقضت بنقضه في هذا الشق، ثم تصدت لموضوع الاستئناف.

والدرس العملي هنا: يجب على المحكمة أن تحدد أولًا الأساس القانوني للمطالبة، قبل أن تقضي بعدم سماعها بمضي المدة؛ لأن الخطأ في التكييف قد يؤدي إلى تطبيق مدة قانونية لا تنطبق على النزاع.

رابعًا: هل يجوز للمطور فسخ عقد البيع على الخارطة بإرادته المنفردة؟

تناول الحكم كذلك القواعد المنظمة لفسخ عقود البيع على الخارطة وفق القانون رقم (13) لسنة 2008 بشأن تنظيم السجل العقاري المبدئي في إمارة دبي، وتعديلاته، وبالأخص القانون رقم (19) لسنة 2020.

وأوضح الحكم أن المطور قد يحق له فسخ عقد البيع على الخارطة والاحتفاظ بنسبة من ثمن الوحدة، متى أخل المشتري بالتزاماته التعاقدية، ومن أهمها عدم سداد الدفعات المستحقة، بشرط اتباع الإجراءات والضوابط القانونية الواجبة التطبيق.

ولا يعني ذلك أن للمطور سلطة مطلقة في فسخ العقد أو الاحتفاظ بأي مبلغ يراه مناسبًا؛ إذ يظل للمشتري حق اللجوء إلى القضاء إذا شابت إجراءات الفسخ مخالفة قانونية، أو نازع في النسبة التي احتفظ بها المطور أو طالب به.

كما أشار الحكم إلى سريان أحكام القانون رقم (19) لسنة 2020 على العقود والوقائع والمراكز القانونية الخاضعة له، بما يشمل إجراءات وقرارات فسخ العقود السابقة على صدوره، وفق الضوابط التي بيّنها الحكم، مع استثناء القرارات التي صدر بشأنها حكم بات قبل العمل بأحكامه.

ومن ثم، فإن مشروعية الفسخ لا تتوقف على مجرد صدور قرار من المطور، وإنما ترتبط بثبوت إخلال المشتري بالتزاماته، ومراعاة الإجراءات القانونية التي تحكم الفسخ، والحدود المقررة للاحتفاظ بالمبالغ المسددة.

خامسًا: إخلال المشتري بسداد الأقساط وأثره في مشروعية الفسخ

من المسائل الجوهرية التي اعتمدت عليها المحكمة أن الدفعات المتبقية كانت مستحقة في تواريخ محددة، ولم تكن مرتبطة بنسب إنجاز المشروع.

وقد ثبت للمحكمة أن المشتري لم يسدد الدفعات المستحقة ابتداءً من الدفعة الرابعة، رغم إخطاره بضرورة تنفيذ التزاماته. كما أن اعتراضه أمام دائرة الأراضي والأملاك اقتصر على طلب منحه مهلة للتفاوض، دون تقديم ما يثبت سداد المستحقات أو إثبات اعتراض جدي على نسبة الإنجاز أو ادعاء إخلال المطور بالتزاماته في ذلك الاعتراض.

واستندت المحكمة كذلك إلى إفادة دائرة الأراضي والأملاك التي أثبتت بلوغ نسبة الإنجاز 88.40%، وإلى تقرير الخبير الذي اطمأنت إليه بشأن الوقائع المادية للنزاع.

وبناءً على هذه العناصر، انتهت المحكمة إلى أن إجراءات الفسخ قد روعيت وفق ما ثبت لديها، وأن ما أثاره المشتري بشأن بطلانها لم يقم عليه دليل كافٍ.

ويؤكد ذلك أهمية التمييز بين التأخر في إنجاز المشروع وبين الإخلال بالتزامات سداد الثمن؛ إذ يتعين فحص جدول الدفعات وطبيعة ارتباطها بالإنجاز، والتحقق من المستندات والإخطارات والإجراءات التي سبقت الفسخ، بدلًا من الاكتفاء بادعاءات عامة بشأن تأخر المشروع.

سادسًا: هل يحق للمطور الاحتفاظ بكامل المبالغ المسددة؟

لم يقف الحكم عند مشروعية إجراءات الفسخ، بل بحث مقدار المبلغ الذي يجوز للمطور الاحتفاظ به من الثمن المدفوع.

وثبت من أوراق الدعوى أن المشتري سدد مبلغ 6,490,306 دراهم، وأن المطور احتفظ به، كما ثبت أن الوحدة بيعت لاحقًا إلى مشترٍ آخر.

وفي إطار تطبيق المادة (11) من القانون رقم (13) لسنة 2008 بصيغته المعدلة، قدرت المحكمة النسبة التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها بمقدار 10% من إجمالي ثمن الوحدة، بما يعادل 1,622,589 درهمًا تقريبًا.

وبعد خصم هذه النسبة من المبلغ الذي سبق للمشتري سداده، انتهت المحكمة إلى إلزام المطور برد مبلغ 4,867,717 درهمًا إلى المشتري، مع فائدة تأخيرية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية حتى تمام السداد.

وتبرز أهمية هذه النتيجة في أن ثبوت حق المطور في فسخ العقد لا يعني بالضرورة أحقيته في الاحتفاظ بكامل ما سدده المشتري؛ إذ يجب تحديد النسبة المسموح بها قانونًا، مع مراعاة ظروف الدعوى وملابساتها.

كما أكد الحكم أن تقدير النسبة التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها يدخل في سلطة محكمة الموضوع، في حدود النسب القصوى المقررة قانونًا، وبناءً على ظروف الدعوى وأدلتها ومستنداتها.

تنبيه مهم: نسبة 10% الواردة في هذا الحكم هي النسبة التي انتهت إليها المحكمة في ظروف النزاع المعروض عليها، وليست قاعدة عامة تعني أن المطور لا يجوز له الاحتفاظ إلا بنسبة 10% في جميع حالات فسخ عقود البيع على الخارطة؛ إذ يتعين الرجوع إلى النص القانوني المنطبق على الحالة، ونسبة الإنجاز، وسبب الفسخ، والظروف الثابتة بالأوراق.

سابعًا: ما الذي ينبغي للمشتري والمطور مراعاته قبل اللجوء إلى القضاء؟

بالنسبة إلى المشتري

  1. الاحتفاظ بعقد البيع وجدول الدفعات وإيصالات السداد وكافة الإخطارات والمراسلات المتعلقة بالوحدة.

  2. تحديد الأساس القانوني للمطالبة برد المبالغ: هل هي مطالبة ناشئة عن فسخ العقد، أم مطالبة برد غير المستحق؟

  3. عدم الاكتفاء بالقول إن المطور تأخر في الإنجاز، بل تقديم المستندات التي تثبت الإخلال المدعى به وأثره في العقد.

  4. الاعتراض على إجراءات الفسخ أو مقدار المبالغ المحتفظ بها بأسباب محددة وأدلة مؤيدة.

  5. التحقق من المدد القانونية التي تنطبق على المطالبة، مع تحديد تاريخ نشوء الحق وطبيعة الدعوى بدقة.

بالنسبة إلى المطور العقاري

  1. الالتزام بالإجراءات القانونية المقررة قبل فسخ العقد وإلغاء التسجيل.

  2. إثبات إخلال المشتري بالتزاماته، وتحديد الدفعات المستحقة ومواعيدها وما تم بشأن الإخطارات.

  3. توثيق نسبة إنجاز المشروع بالمستندات والتقارير المعتمدة ذات الصلة.

  4. احتساب المبالغ التي يجوز الاحتفاظ بها وفق النص القانوني المنطبق، وعدم تجاوز الحد المقرر.

  5. عدم افتراض أن مرور الزمن يمنع سماع كل مطالبة برد المبالغ؛ بل يتعين بحث طبيعة المطالبة وأساسها القانوني.

ثامنًا: الخلاصة القانونية للحكم

يؤكد حكم محكمة التمييز بدبي الصادر في الطعن العقاري رقم 458 لسنة 2025 أن النزاع المتعلق برد ثمن وحدة عقارية بعد فسخ عقد البيع على الخارطة يستلزم بحثًا دقيقًا لطبيعة المطالبة وسبب نشوئها، قبل تطبيق قواعد عدم سماع الدعوى بمضي المدة.

فإذا كانت المطالبة باسترداد الثمن أثرًا قانونيًا للنزاع بشأن فسخ العقد، فلا يجوز إخضاعها تلقائيًا للقواعد الخاصة برد غير المستحق. كما أن فسخ العقد بسبب إخلال المشتري بالتزاماته لا يبرر الاحتفاظ بكامل المبالغ المسددة دون مراعاة الحدود القانونية الواجبة التطبيق.

وقد انتهى الحكم، في ضوء ظروف الدعوى، إلى إلغاء القضاء بعدم سماع المطالبة لمضي المدة، ثم إلزام المطور برد 4,867,717 درهمًا، بعد احتساب نسبة الاحتفاظ التي قدرتها المحكمة، مع فائدة تأخيرية بنسبة 5% سنويًا من تاريخ المطالبة القضائية حتى تمام السداد.

ويظل المبدأ الأهم هو أن التكييف القانوني الصحيح للمطالبة هو نقطة البداية في تحديد القواعد الواجبة التطبيق، وأن مشروعية فسخ عقد البيع على الخارطة لا تعفي المطور من الالتزام بالحدود القانونية للمبالغ التي يجوز له الاحتفاظ بها.


بيانات الحكم

  • المحكمة: محكمة التمييز بدبي.

  • رقم الطعن: 458 لسنة 2025 – طعن عقاري.

  • تاريخ الحكم: 7 يوليو 2025.

  • الموضوع: فسخ عقد بيع على الخارطة، وعدم سماع الدعوى بمضي المدة، واسترداد الثمن، وحدود المبالغ التي يجوز للمطور الاحتفاظ بها.

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...