مقدمة
تُعد الوساطة العقارية من الأنشطة المنظمة قانونًا في إمارة دبي، نظرًا لارتباطها بالمعاملات العقارية وما يترتب عليها من حقوق مالية والتزامات تعاقدية. ولا يكفي لاستحقاق عمولة الوساطة أن يثبت الشخص أنه قام بجلب العملاء أو ساهم في إتمام صفقة بيع عقاري، بل يتعين أن يكون نشاطه قد مورس وفقًا للضوابط القانونية المنظمة لمهنة الوساطة العقارية.
وقد أكدت محكمة التمييز بدبي، في حكمها الصادر بتاريخ 21 أغسطس 2025 في الطعن التجاري رقم 445 لسنة 2025/1037، أن ممارسة الوساطة العقارية دون ترخيص، بالمخالفة للقواعد المنظمة للنشاط، تؤدي إلى بطلان اتفاق الوساطة، بما يحول دون مطالبة الوسيط غير المرخص له بالعمولة أو التعويض أو استرداد المصروفات التي تحملها في تنفيذ العمل.
ويكشف هذا الحكم عن مبدأ قانوني بالغ الأهمية، وهو أن الاتفاق على العمولة، ولو كان ثابتًا بين الطرفين، لا يكفي وحده لاستحقاقها متى كان النشاط محل الاتفاق مخالفًا للقواعد الآمرة المنظمة للوساطة العقارية.
أولًا: وقائع الدعوى
تتحصل وقائع النزاع في أن أحد الأشخاص أقام دعوى تجارية أمام محكمة دبي الابتدائية، طالبًا إلزام شركتين بالتضامن بأداء مبلغ قدره 4,000,000 درهم، إضافة إلى الفائدة القانونية بنسبة 9% سنويًا من تاريخ الاستحقاق.
واستند المدعي في دعواه إلى اتفاق مع إحدى الشركتين على جلب عملاء ومشترين لوحدات عقارية تابعة للشركة الأخرى، مقابل عمولة تعادل 50% من الأرباح الناتجة عن الصفقات التي يتم إبرامها.
وتمسك المدعي بأن الاتفاق صحيح وملزم للطرفين، وأنه قام بالعمل المتفق عليه، وأن العمولة أصبحت مستحقة عن الصفقات التي تمت نتيجة جهوده.
وبعد ندب خبير في الدعوى، قضت محكمة أول درجة برفضها، تأسيسًا على أن العمل الذي قام به المدعي يدخل في نطاق الوساطة العقارية، وأنه غير مخول قانونًا بممارسة هذا النشاط، الأمر الذي يجعل الاتفاق مخالفًا للنظام العام وباطلًا بطلانًا مطلقًا.
استأنف المدعي الحكم، إلا أن محكمة الاستئناف قضت برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف. ثم طعن المدعي على الحكم بطريق التمييز، متمسكًا بصحة الاتفاق واستحقاق العمولة، وبأن المحكمة كان يتعين عليها سماع الشهود وإعادة الدعوى إلى الخبير لبحث الصفقات التي تمت نتيجة وساطته.
غير أن محكمة التمييز انتهت إلى رفض الطعن، مؤكدة صحة الأساس القانوني الذي أقيم عليه الحكم المطعون فيه.
ثانيًا: ما الشروط القانونية لاستحقاق عمولة الوساطة العقارية في دبي؟
قررت محكمة التمييز أن عقد السمسرة هو العقد الذي يلتزم بمقتضاه السمسار، في مقابل عمولة معينة، بالعثور على شخص يقبل التعاقد مع عميله، أو بالتفاوض مع شخص معين لإقناعه بإبرام العقد.
إلا أن هذا التعريف لا يعني أن كل من يتوسط في إبرام صفقة عقارية يستحق عمولة بمجرد نجاحه في جلب المشتري أو إتمام التفاوض؛ إذ تخضع الوساطة العقارية في دبي لضوابط تنظيمية خاصة يتعين الالتزام بها.
واستند الحكم إلى أحكام اللائحة رقم (85) لسنة 2006 بشأن تنظيم سجل الوسطاء العقاريين في إمارة دبي، ولا سيما المواد (3) و(15) و(26)، التي تناولت متطلبات ممارسة النشاط وتنظيم عقد الوساطة واستحقاق الأجر.
وبحسب ما قرره الحكم، فإن استحقاق أجر الوساطة العقارية يرتبط بالمتطلبات الآتية:
1. الترخيص بممارسة النشاط
لا يجوز للشخص ممارسة نشاط الوساطة العقارية في إمارة دبي إلا إذا كان مرخصًا له من الجهات المختصة ومقيدًا في السجل المقرر قانونًا.
2. وجود عقد وساطة مكتوب
يتعين أن يكون عقد الوساطة مكتوبًا وفقًا للمتطلبات القانونية المنظمة للنشاط، فلا يكفي مجرد الاتفاق الشفهي على نسبة العمولة أو إثبات وجود تفاهم بين الطرفين.
3. التأشير بعقد الوساطة في سجل العقار
أكد الحكم ضرورة التأشير بعقد الوساطة في سجل العقار لدى دائرة الأراضي والأملاك، باعتباره من المتطلبات التي ربط بها التنظيم القانوني استحقاق أجر الوسيط عند نجاحه في إتمام الصفقة.
وبالتالي، فإن مجرد إثبات قيام الشخص بجلب العملاء أو مساهمته الفعلية في إتمام الصفقة لا يغني عن استيفاء المتطلبات القانونية اللازمة لاستحقاق العمولة.
ثالثًا: هل يكفي إثبات الاتفاق على العمولة لإلزام الشركة بسدادها؟
من أهم المسائل التي تناولها الحكم أن المدعي تمسك بصحة الاتفاق المبرم مع الشركتين، وبأنهما أقرتا بالعلاقة التي نشأت بينهما وبينه، كما طلب سماع الشهود وإعادة الدعوى إلى الخبير لتحديد الصفقات التي تمت نتيجة وساطته.
إلا أن المحكمة لم تعتبر إثبات الاتفاق أو النشاط الذي قام به المدعي كافيًا للحكم له بالمبلغ المطالب به.
فالعبرة ليست فقط بوجود اتفاق على العمولة، وإنما كذلك بمدى مشروعية الاتفاق واستيفائه المتطلبات القانونية التي تنظم ممارسة الوساطة العقارية.
ولما كان نشاط المدعي يتضمن جلب العملاء لشراء وحدات عقارية مقابل عمولة من الأرباح، وكانت الأوراق قد خلت مما يثبت تخويله قانونًا ممارسة الوساطة العقارية، فقد خلصت المحكمة إلى بطلان الاتفاق لمخالفته النظام العام.
ومؤدى ذلك أن الإقرار بوجود الاتفاق لا يصحح اتفاقًا باطلًا لمخالفته القواعد القانونية الآمرة، كما أن إثبات تنفيذ العمل المتفق عليه لا ينشئ، بذاته، حقًا في العمولة إذا كان الاتفاق لا يصلح سندًا قانونيًا للمطالبة بها.
وهذا المبدأ يكتسب أهمية خاصة في الاتفاقات التي تحدد العمولة بنسبة كبيرة من الأرباح، أو التي تتم بين شركات وأشخاص يتولون جلب المستثمرين أو المشترين دون استيفاء متطلبات الترخيص والتنظيم العقاري.
رابعًا: أثر بطلان عقد الوساطة العقارية على المطالبة بالعمولة والتعويض
لم يقتصر الحكم على تقرير بطلان الاتفاق، بل استند إلى المبدأ الذي قررته الهيئة العامة لمحكمة التمييز في القرار رقم (1) لسنة 2022، ومؤداه أنه إذا حُكم ببطلان عقد الوساطة، فلا يجوز للسمسار أو الوسيط غير المرخص له ممارسة أعمال الوساطة أن يطالب بأجره أو بالتعويض أو باسترداد المصروفات التي تحملها في تنفيذ العمل المكلف به.
ويترتب على ذلك أن الوسيط الذي يباشر نشاط الوساطة العقارية بالمخالفة للمتطلبات القانونية لا يستطيع تجاوز أثر البطلان بمجرد تغيير صياغة طلباته من المطالبة بالعمولة إلى المطالبة بالتعويض عن جهوده أو استرداد نفقاته.
فإذا كانت المطالبة في حقيقتها ناشئة عن تنفيذ اتفاق وساطة باطل، فإن تغيير وصف المطالبة لا يكفي وحده لتأسيس حق مالي على الاتفاق ذاته.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين هذه الحالة وبين أي مطالبة أخرى يكون لها أساس قانوني مستقل عن عقد الوساطة الباطل؛ فالحكم محل المقال قرر المبدأ في إطار اتفاق الوساطة والنشاط الذي كان محل النزاع، ولا يصح تعميمه دون فحص طبيعة المطالبة وأساسها القانوني في كل حالة.
خامسًا: لماذا رفضت المحكمة طلب سماع الشهود وإعادة الدعوى إلى الخبير؟
تمسك الطاعن بأن المحكمة أخلت بحقه في الدفاع عندما رفضت سماع الشهود لإثبات الاتفاق على العمولة، كما اعترض على عدم إعادة الدعوى إلى الخبير لبحث الصفقات التي تمت نتيجة وساطته.
غير أن محكمة الاستئناف، التي أيدت محكمة التمييز قضاءها، رأت أن هذه الطلبات لا تؤثر في النتيجة القانونية للدعوى؛ ذلك أن الاتفاق قد ثبت بطلانه لمخالفته النظام العام، وبالتالي فإن إثبات الصفقات التي تمت أو تحديد مقدار العمولة لا يغير من عدم صلاحية الاتفاق أساسًا للمطالبة.
وأكدت محكمة التمييز أن محكمة الموضوع أقامت قضاءها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق، وكافية لحمل النتيجة التي انتهت إليها، وأن ما أثاره الطاعن لا ينال من سلامة الحكم.
ويُستفاد من ذلك أن طلب إجراء تحقيق أو ندب خبير لا يكون منتجًا في النزاع إذا كانت المسألة القانونية التي حسمتها المحكمة كافية وحدها للفصل في الطلبات، وكان من شأن التحقيق المطلوب ألا يغير النتيجة المترتبة على بطلان الاتفاق.
فالمحكمة ليست ملزمة بإجراء تحقيق في مقدار العمولة أو عدد الصفقات متى كان السند الذي تقوم عليه المطالبة غير صالح قانونًا لإنتاج الأثر الذي يتمسك به المدعي.
سادسًا: ما أهمية الحكم بالنسبة إلى الشركات والأشخاص الذين يجلبون العملاء العقاريين؟
يقدم الحكم رسالة واضحة لكل من الشركات العقارية والأشخاص الذين يتفقون معها على جلب المشترين أو المستثمرين مقابل عمولات.
بالنسبة إلى الشركات العقارية
ينبغي التأكد من أن التعامل مع الوسطاء يتم من خلال أشخاص مرخص لهم ومقيدين وفقًا للمتطلبات القانونية، مع إبرام عقود وساطة مكتوبة واستيفاء إجراءات تسجيلها أو التأشير بها حيثما يوجب القانون ذلك.
كما ينبغي عدم الاكتفاء بالاتفاقات التجارية العامة أو المراسلات التي تحدد نسبة العمولة، دون التحقق من استيفاء المتطلبات التنظيمية اللازمة لممارسة النشاط.
بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتولون جلب العملاء
يتعين قبل البدء في جلب المشترين أو التفاوض بشأن بيع الوحدات العقارية التحقق من أن طبيعة النشاط الذي سيباشرونه لا تدخل في نطاق الوساطة العقارية المنظمة إلا بعد الحصول على الترخيص اللازم واستيفاء بقية المتطلبات القانونية.
فقد يبذل الشخص جهدًا فعليًا في جلب العملاء، وقد تتم الصفقة بالفعل نتيجة هذا الجهد، ومع ذلك لا يتمكن من تحصيل العمولة إذا كان الاتفاق باطلًا بسبب مخالفة القواعد المنظمة للنشاط.
بالنسبة إلى صياغة عقود العمولة
لا ينبغي أن تقتصر مراجعة العقد على تحديد نسبة العمولة وطريقة حسابها وموعد استحقاقها؛ بل يجب أن تشمل التحقق من مشروعية النشاط ذاته، وصفة القائم به، ومدى استيفاء متطلبات الترخيص والقيد والكتابة والتأشير المقررة قانونًا.
سابعًا: الخلاصة القانونية للحكم
أكدت محكمة التمييز بدبي، في حكمها الصادر بتاريخ 21 أغسطس 2025 في الطعن التجاري رقم 445 لسنة 2025/1037، أن ممارسة الوساطة العقارية في دبي تخضع لمتطلبات قانونية آمرة، وأن مخالفتها قد تؤدي إلى بطلان عقد الوساطة بطلانًا مطلقًا لمخالفته النظام العام.
كما أكد الحكم، استنادًا إلى القرار رقم (1) لسنة 2022 الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز، أن الوسيط غير المرخص له، متى حُكم ببطلان عقد الوساطة، لا يجوز له المطالبة بالعمولة أو التعويض أو استرداد المصروفات التي تحملها في تنفيذ العمل محل الاتفاق.
ولذلك، فإن وجود اتفاق على العمولة، أو ثبوت جلب العملاء، أو نجاح الصفقات العقارية، لا يكفي وحده لضمان استحقاق المقابل المالي إذا كان النشاط قد مورس بالمخالفة للضوابط القانونية.
والقاعدة العملية المستفادة من الحكم هي أن مشروعية ممارسة الوساطة العقارية تسبق بحث استحقاق العمولة؛ فلا جدوى من إثبات مقدار الأجر أو عدد الصفقات إذا كان الاتفاق الذي تستند إليه المطالبة باطلًا لمخالفته النظام العام.
بيانات الحكم
المحكمة: محكمة التمييز بدبي.
رقم الطعن: 445 لسنة 2025/1037 – طعن تجاري، وفق بيانات الحكم المرفق.
تاريخ الجلسة: 21 أغسطس 2025.
موضوع الحكم: الوساطة العقارية، شروط استحقاق العمولة، الترخيص والقيد، بطلان عقد الوساطة المخالف للنظام العام، وأثر البطلان على المطالبة بالأجر والتعويض والمصروفات.
