مقدمة
يُعد التأخير في تسليم الوحدات العقارية من أبرز المنازعات التي تنشأ بين المطورين العقاريين والمشترين في دبي، خاصة عندما يكون المشتري قد سدد كامل ثمن العقار، بينما يتأخر المطور في تنفيذ التزامه بالتسليم في الموعد المتفق عليه.
ومن المسائل القانونية التي تثير الجدل في هذا النوع من المنازعات: هل يجوز للمطور العقاري الامتناع عن دفع التعويض الاتفاقي عن التأخير بحجة أن المشتري لم يسدد رسوم التسجيل العقاري، رغم سداده كامل ثمن الوحدة؟
أجابت محكمة تمييز دبي عن هذا التساؤل في حكمها الصادر في الطعن العقاري رقم 752 لسنة 2025، بجلسة 19 يناير 2026، وقررت مبدأً مهمًا بشأن الطبيعة القانونية لرسوم التسجيل العقاري، ومدى تأثير عدم سدادها على حق المشتري في المطالبة بالتعويض الاتفاقي عن تأخير التسليم.
أولًا: وقائع النزاع العقاري
تتلخص وقائع الدعوى، وفقًا لما أورده الحكم، في أن مشتريين أبرما بتاريخ 25 مارس 2018 اتفاقية لشراء شقة فندقية في أحد الأبراج بدبي، بمساحة 258.04 قدمًا مربعًا، وبثمن إجمالي قدره 785,500 درهم، إضافة إلى ضريبة القيمة المضافة ورسوم التسجيل.
وكان الموعد المتفق عليه لإنجاز الوحدة في أو قبل 31 ديسمبر 2019، مع منح البائع حق تمديد الموعد المتوقع لمدة تصل إلى ستة أشهر، وفقًا للشروط الواردة في الاتفاقية.
وذكر المشتريان أنهما سددا كامل أقساط الثمن والرسوم والضريبة، إلا أن المطور لم يسلمهما الوحدة، ولم يستكمل التراخيص والمتطلبات اللازمة لتشغيلها وفق التصنيف الفندقي المتفق عليه.
وبناءً على ذلك، أقاما دعواهما بطلب فسخ التعاقد ورد المبالغ المسددة، إلى جانب التعويض عن فترة التأخير.
وبعد نظر الدعوى والاستعانة بالخبرة، قضت محكمة أول درجة بمبلغ تعويض، ثم عدلت محكمة الاستئناف المبلغ المحكوم به إلى 122,519.67 درهمًا، مع تأييد الحكم فيما عدا ذلك.
ولم يرتضِ المطور بالحكم، فطعن عليه بالتمييز، مستندًا إلى أن الاتفاقية اشترطت لاستحقاق التعويض الاتفاقي وفاء المشتري بجميع التزاماته، وأن رسوم التسجيل لم يسددها المشتريان، وإنما قامت الشركة بسدادها.
ثانيًا: ما المبدأ القانوني الذي قررته محكمة تمييز دبي؟
قررت محكمة التمييز أن رسوم التسجيل العقاري المستحقة لدائرة الأراضي والأملاك تمثل التزامًا ماليًا تابعًا ومستقلًا عن الالتزام الجوهري بسداد ثمن المبيع، وأن التأخر في سداد هذه الرسوم لا يشكل، في ذاته، إخلالًا جوهريًا يبرر للبائع التحلل من التزاماته أو طلب فسخ العقد.
كما أوضحت المحكمة أن عدم سداد رسوم التسجيل لا يحرم المشتري من التمسك بالتعويض الاتفاقي المقرر في العقد، متى كان البائع قد أخل بالتزامه الجوهري بتسليم العقار في الموعد المتفق عليه، وكان المشتري قد أوفى بالتزامه الرئيسي المتمثل في سداد ثمن المبيع وملحقاته والالتزامات التعاقدية الأخرى ذات الصلة، وفقًا لما بيّنه الحكم.
وبذلك رفضت المحكمة دفاع المطور القائم على عدم سداد رسوم التسجيل، واعتبرت أن هذا الدفاع لا يصلح وحده سببًا لإسقاط حق المشتري في التعويض عن التأخير.
ثالثًا: لماذا لا يُعد سداد رسوم التسجيل شرطًا لاستحقاق التعويض عن التأخير؟
تكمن أهمية الحكم في التمييز بين الالتزامات الجوهرية الناشئة عن عقد البيع، والرسوم المستحقة لجهة حكومية مقابل خدمة تسجيل العقار.
فالتزام المشتري بسداد ثمن العقار يمثل التزامًا رئيسيًا في العلاقة التعاقدية، في حين أن رسوم التسجيل، وفقًا للمبدأ الذي قررته المحكمة في هذا الحكم، تستحق لدائرة الأراضي والأملاك مقابل تسجيل العقار في السجلات العقارية.
ومن ثم، فإن عدم سداد رسوم التسجيل تترتب عليه آثاره المتعلقة بإتمام التسجيل العقاري، ولا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط حق المشتري في التعويض عن إخلال مستقل من جانب البائع، يتمثل في عدم تسليم الوحدة في الموعد المحدد.
ولا يغير من ذلك مجرد النص على رسوم التسجيل في اتفاقية البيع؛ إذ لا يكفي ورودها في العقد لاعتبارها شرطًا واقفًا لاستحقاق التعويض عن التأخير، وفقًا لما قررته المحكمة في القضية محل الحكم.
ومؤدى ذلك أن المطور لا يستطيع أن يجعل من عدم سداد الرسوم الإدارية وسيلة للتنصل من مسؤوليته عن تأخير التسليم، متى ثبت إخلاله بالتزامه الجوهري وتوافرت شروط استحقاق التعويض.
رابعًا: هل يحق للمطور الرجوع على المشتري إذا سدد رسوم التسجيل نيابة عنه؟
لم يهدر الحكم حق المطور في المطالبة بما قد يكون قد دفعه نيابة عن المشتري، وإنما فصل بين هذه المسألة وبين استحقاق التعويض عن التأخير.
فقد أوضحت المحكمة أنه إذا كانت الشركة قد سددت رسوم التسجيل نيابة عن المشتري، وصح ذلك، فإن حقها يكون في الرجوع عليه متى توافرت شروط الإيفاء بدين الغير.
وبالتالي، فإن وجود مطالبة مستقلة برسوم التسجيل لا يعني بالضرورة سقوط حق المشتري في التعويض الاتفاقي، كما أن ثبوت حق المطور في استرداد الرسوم المدفوعة نيابة عن المشتري لا يمنحه تلقائيًا الحق في الامتناع عن التعويض المستحق عن إخلاله بالتسليم.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين الحقوق والالتزامات المتقابلة، وعدم الخلط بين دين الرسوم المستحقة عن التسجيل وبين المسؤولية الناشئة عن التأخير في تنفيذ عقد البيع.
خامسًا: ما الشروط التي ينبغي مراعاتها عند المطالبة بالتعويض الاتفاقي؟
يستفاد من الحكم أن المطالبة بالتعويض عن تأخير التسليم تستلزم فحص العقد ومستندات التنفيذ والوفاء، ولا يكفي مجرد إثبات التأخير بمعزل عن بقية عناصر النزاع.
وعمليًا، ينبغي للمشتري الذي يطالب بالتعويض أن يركز على المسائل الآتية:
إثبات الالتزام بالتسليم: تقديم اتفاقية البيع التي تحدد موعد التسليم أو الإنجاز، مع مراعاة أي تمديدات تعاقدية صحيحة وشروطها.
إثبات سداد الثمن: تقديم إيصالات السداد وكشوف الحساب والمستندات التي تثبت الوفاء بالالتزامات المالية الرئيسية المتفق عليها.
إثبات التأخير والإخلال: بيان أن المطور لم ينفذ التزامه بالتسليم في الموعد المستحق، مع تقديم ما يؤيد استمرار عدم التسليم أو عدم استيفاء المتطلبات المتفق عليها، بحسب طبيعة النزاع.
تحديد أساس التعويض: مراجعة بند التعويض الاتفاقي في العقد، وشروط استحقاقه، وطريقة احتسابه، ومدى انطباقه على الوقائع الثابتة.
الرد على الدفع بعدم سداد الرسوم: التمسك بأن عدم سداد رسوم التسجيل لا يسقط الحق في التعويض تلقائيًا، متى توافرت الشروط التي أكدها حكم التمييز، مع مراعاة ظروف كل دعوى ونصوص العقد.
ومن المهم التنبيه إلى أن الحكم لا يعني أن التعويض يستحق في كل حالة تأخير دون بحث؛ إذ يظل استحقاقه مرتبطًا بثبوت الإخلال وتوافر شروط التعويض الاتفاقي وفقًا للعقد والقانون.
سادسًا: ما أهمية الحكم بالنسبة للمشترين والمطورين العقاريين؟
تظهر أهمية الحكم في أنه يمنع الخلط بين التزام المشتري برسوم التسجيل وبين التزام المطور بتسليم الوحدة في الموعد المتفق عليه.
بالنسبة للمشتري: يتيح الحكم التمسك بحقه في التعويض الاتفاقي رغم المنازعة بشأن رسوم التسجيل، متى أثبت الوفاء بالتزامه الرئيسي وثبت إخلال المطور بالتسليم وتوافرت شروط التعويض.
بالنسبة للمطور: يؤكد الحكم أن مجرد قيامه بسداد رسوم التسجيل نيابة عن المشتري لا يكفي، بذاته، للتخلص من مسؤوليته عن التأخير. وإذا كان له حق في استرداد تلك الرسوم، فإن ذلك يُبحث على أساسه القانوني المستقل.
بالنسبة للمحامين والممارسين القانونيين: يبرز الحكم أهمية تحليل كل التزام تعاقدي على حدة، والتمييز بين الالتزامات الجوهرية والالتزامات المالية التابعة، وتحديد الأثر القانوني لكل منها دون الخلط بين المطالبات المختلفة.
سابعًا: منطوق الحكم والنتيجة التي انتهت إليها المحكمة
انتهت محكمة تمييز دبي إلى أن نعي المطور بشأن عدم سداد المشتري رسوم التسجيل العقاري لا يقوم على أساس صحيح، ورفضت الطعن، تأسيسًا على أن هذه الرسوم لا تحول، بذاتها، دون استحقاق التعويض الاتفاقي عن التأخير متى ثبت إخلال المطور بالتزامه الجوهري بالتسليم وتوافرت شروط استحقاق التعويض.
ويظل من المهم عند الاستناد إلى هذا الحكم الرجوع إلى نصوص اتفاقية البيع والشراء، ومستندات السداد، والوقائع التي أثبتها الحكم، وعدم تعميم النتيجة خارج نطاق المبدأ الذي قررته المحكمة.
الخلاصة
أكد حكم محكمة تمييز دبي الصادر في الطعن العقاري رقم 752 لسنة 2025 بجلسة 19 يناير 2026 مبدأً مهمًا في المنازعات العقارية، مؤداه أن عدم سداد رسوم التسجيل العقاري لا يسقط تلقائيًا حق المشتري في التعويض الاتفاقي عن تأخير تسليم الوحدة، متى أوفى بالتزامه الرئيسي وثبت إخلال المطور بالتسليم وتوافرت شروط التعويض.
كما أكد الحكم أن قيام المطور بسداد رسوم التسجيل نيابة عن المشتري قد ينشئ له حقًا مستقلًا في الرجوع عليه، إذا توافرت شروط الإيفاء بدين الغير، لكنه لا يشكل بذاته مبررًا لإهدار حق المشتري في التعويض عن التأخير.
ويقدم هذا الحكم أساسًا مهمًا لفهم العلاقة بين الالتزامات التعاقدية في بيع العقارات، وضرورة الفصل بين المطالبات المالية المختلفة عند نظر النزاعات بين المطورين والمشترين.
