9/28/2026

هل يجوز للمتعاقدين الاتفاق على محكمة غير المحكمة المختصة؟ وهل يكون هذا الاتفاق ملزمًا؟

 


       

شرط الاختصاص القضائي في العقود من البنود التي تبدو بسيطة عند كتابتها، لكنها قد تتحول عند نشوء النزاع إلى مسألة حاسمة: هل المحكمة التي اتفق عليها الطرفان تملك فعلًا نظر الدعوى؟ أم أن الاتفاق لا قيمة له إذا خالف قواعد الاختصاص التي حددها القانون؟

وهنا يثور السؤال الأهم:

إذا اتفق طرفان في العقد على أن أي نزاع بينهما يكون من اختصاص محاكم إمارة معينة، ثم نشأ النزاع أمام محكمة أخرى هي المختصة قانونًا، فهل تلتزم المحكمة بهذا الاتفاق؟

الإجابة ليست دائمًا بنعم أو لا، وإنما تتوقف على نوع الاختصاص الذي تم الاتفاق بشأنه.

وقد حسمت هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية هذه المسألة في طلب رقم 5 لسنة 2023، بعد ظهور اتجاهات قضائية متعارضة بشأن مدى جواز الاتفاق على الاختصاص القضائي.


أولًا: القصة ببساطة

ظهرت أمام القضاء الإماراتي عدة نزاعات تضمنت عقودًا فيها شروط تحدد المحكمة التي تختص بنظر أي نزاع ينشأ عن العقد.

وفي بعض الأحكام، تم الاعتداد باتفاق الأطراف على المحكمة المختصة.

وفي أحكام أخرى، تم التأكيد على أن الاختصاص القضائي ليس دائمًا مسألة يستطيع الأطراف الاتفاق عليها بحرية، خصوصًا إذا كان الاتفاق يؤدي إلى مخالفة الاختصاص الولائي المقرر قانونًا.

وهنا ظهر التعارض:

هل العقد هو الذي يحدد المحكمة؟

أم:

القانون والدستور هما اللذان يحددان المحكمة، ولا يستطيع العقد تغيير ذلك؟

ولهذا عُرض الأمر على هيئة توحيد المبادئ لحسم المسألة.


ثانيًا: الفرق المهم بين الاختصاص الولائي والاختصاص المحلي

وهذه هي مفتاح الحكم كله.

1. الاختصاص الولائي

الاختصاص الولائي يعني تحديد أي جهة قضائية أصلًا تملك سلطة نظر النزاع.

فإذا كان النزاع يدخل في ولاية جهة قضائية معينة، فلا يجوز للمتعاقدين أن ينقلا هذه الولاية إلى جهة قضائية أخرى بمجرد وضع شرط في العقد.

بمعنى آخر:

الأطراف لا يستطيعون بالعقد أن يمنحوا محكمة اختصاصًا لا يملكه القانون.

وقد قررت الهيئة أن الاتفاق الذي يؤدي إلى مخالفة الاختصاص الولائي للجهات القضائية المستقلة يكون غير جائز، باعتبار أن قواعد الاختصاص الولائي من النظام العام.


2. الاختصاص المحلي

أما الاختصاص المحلي فهو مسألة مختلفة.

وهو يتعلق بتحديد أي محكمة داخل نطاق الجهة القضائية المختصة تنظر النزاع.

وفي هذا النطاق، يمكن أن يسمح القانون للخصوم بالاتفاق على المحكمة المختصة، طالما لم يؤدِ الاتفاق إلى مخالفة قواعد الاختصاص الولائي أو غيرها من القواعد الآمرة.

وهذا هو السبب في أن العبارة التالية ليست صحيحة على إطلاقها:

"أي شرط اختصاص يكتبه الطرفان في العقد يكون ملزمًا للمحكمة."

والأدق أن نقول:

"الاتفاق على الاختصاص قد يكون صحيحًا وملزمًا إذا كان في نطاق الاختصاص الذي يجوز للخصوم الاتفاق عليه، أما إذا ترتب عليه مخالفة الاختصاص الولائي فلا يعتد به."


ثالثًا: ماذا لو كتب الطرفان في العقد: "محاكم دبي هي المختصة"؟

هنا يجب ألا نتعامل مع العبارة بمعزل عن القانون.

فمثلًا، إذا كتب الطرفان في العقد:

"تختص محاكم دبي وحدها بنظر أي نزاع ينشأ عن هذا العقد."

فلا يكفي وجود هذه العبارة وحدها للقول إن محاكم دبي أصبحت مختصة حتمًا.

بل يجب أولًا طرح السؤال:

هل النزاع أصلًا يدخل في ولاية محاكم دبي؟

إذا كانت الإجابة نعم، وكان الاتفاق يتعلق باختصاص يجوز للخصوم الاتفاق عليه، فقد يكون للشرط أثره.

أما إذا كان الاتفاق يؤدي إلى نقل النزاع من جهة قضائية مستقلة إلى جهة قضائية مستقلة أخرى بالمخالفة لقواعد الاختصاص الولائي، فلا يستطيع العقد إنشاء هذه الولاية.

فالاختصاص القضائي في هذه الحالة مصدره القانون وليس إرادة المتعاقدين.


رابعًا: لماذا اعتبرت الهيئة أن الاختصاص الولائي من النظام العام؟

لأن توزيع الاختصاص بين الجهات القضائية ليس مجرد مصلحة خاصة لأطراف العقد.

إنما يتعلق بتنظيم السلطة القضائية ذاتها.

وقد استندت الهيئة إلى أن الدستور يقرر قواعد توزيع الاختصاص بين الجهات القضائية، وأنه لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفة هذا التوزيع.

وبالتالي، فإن وجود شرط في العقد لا يستطيع أن يتغلب على قاعدة آمرة تتعلق بالاختصاص الولائي.


خامسًا: مثال عملي يوضح الفكرة

لنفترض أن:

شركة "أ" في أبوظبي أبرمت عقدًا مع شركة "ب" في دبي.

وكتب الطرفان في العقد:

"تختص محاكم دبي حصريًا بأي نزاع ينشأ عن هذا العقد."

ثم حدث نزاع.

هنا لا يكفي أن تذهب شركة "أ" إلى محاكم دبي وتقول:

"أنا معي عقد، والعقد يقول إن محاكم دبي مختصة."

بل يجب أولًا تحديد:

  1. ما طبيعة النزاع؟
  2. ما المحكمة المختصة به قانونًا؟
  3. هل الاختصاص هنا ولائي أم محلي؟
  4. هل يسمح القانون للخصوم بالاتفاق على الاختصاص؟
  5. هل الاتفاق نقل النزاع إلى جهة قضائية مستقلة أخرى بالمخالفة لقواعد الاختصاص؟

فإذا كان الشرط يخالف الاختصاص الولائي، فلا ينقذ الشرطَ مجرد توقيع الطرفين عليه.


سادسًا: ماذا لو كان هناك اتفاق صحيح بين الطرفين؟

هنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا.

الحكم لا يعني أن كل اتفاق على الاختصاص القضائي باطل.

فالهيئة فرقت بين الاتفاق الذي يخالف الاختصاص الولائي، وبين الاتفاق الذي يقع في نطاق الاختصاص المحلي الذي يجوز للخصوم الاتفاق عليه.

وقد قررت أن الاتفاق على الاختصاص المحلي لا يكون مطلقًا، وإنما يكون مقبولًا في الحدود التي يسمح بها القانون، ودون أن يؤدي إلى مخالفة قواعد الاختصاص الولائي.


سابعًا: لماذا كان لابد من توحيد المبدأ؟

لأن الأحكام القضائية التي عرضت على الهيئة كانت قد تبنت اتجاهات مختلفة.

ففي إحدى القضايا، تم الاعتداد بالاتفاق على المحكمة المختصة، بينما ظهرت أحكام أخرى تؤكد عدم جواز الاتفاق على ما يخالف الاختصاص الولائي.

ومن أمثلة ذلك ما ورد بالحكم بشأن أحكام صادرة من محكمة تمييز دبي والمحكمة الاتحادية العليا ومحكمة تمييز رأس الخيمة، والتي عكست الحاجة إلى توحيد المبدأ.

ومن هنا جاء دور هيئة توحيد المبادئ في وضع قاعدة موحدة تكون واجبة الاتباع.


ثامنًا: المبدأ الذي انتهت إليه الهيئة

يمكن تلخيص المبدأ القضائي في عبارة واحدة:

لا يجوز للمتعاقدين الاتفاق على مخالفة الاختصاص الولائي المقرر قانونًا للجهات القضائية المستقلة، أما الاتفاق على الاختصاص المحلي فيجوز في الحدود التي يسمح بها القانون وبشرط عدم مخالفة الاختصاص الولائي.

وهذا يعني أن إرادة الأطراف ليست هي المصدر المطلق للاختصاص القضائي.


تاسعًا: خطأ شائع في صياغة العقود

من الأخطاء المتكررة أن تتم صياغة بند الاختصاص بهذه الصورة فقط:

"تختص محاكم دبي حصريًا بنظر أي نزاع ينشأ عن هذا العقد."

ثم يعتقد المتعاقدون أن هذه العبارة تحسم المسألة نهائيًا.

والأفضل من الناحية العملية أن تتم صياغة الشرط مع مراعاة القواعد الآمرة للاختصاص، مثل:

"تختص المحكمة المختصة قانونًا بنظر أي نزاع ينشأ عن هذا العقد، وذلك مع مراعاة قواعد الاختصاص الولائي والمحلي المقررة قانونًا."

أو إذا كان المقصود الاتفاق على اختصاص محلي جائز قانونًا:

"اتفق الطرفان، في حدود ما يجوز الاتفاق عليه قانونًا، على اختصاص محاكم (...) بنظر أي نزاع ينشأ عن هذا العقد، وذلك دون إخلال بقواعد الاختصاص الولائي الآمرة."

وهذه الصياغة أكثر حذرًا؛ لأنها لا تفترض أن إرادة الأطراف تستطيع إنشاء اختصاص قضائي من العدم.


عاشرًا: الخلاصة – هل الاتفاق ملزم أم لا؟

الإجابة المختصرة:

نعم، قد يكون الاتفاق ملزمًا

إذا كان يتعلق باختصاص يجوز قانونًا للخصوم الاتفاق عليه، ولا يخالف قواعد الاختصاص الولائي أو أي قاعدة آمرة.

ولا، ليس ملزمًا

إذا كان الاتفاق يؤدي إلى نقل الاختصاص الولائي من جهة قضائية مستقلة إلى جهة أخرى بالمخالفة للقانون.

وبالتالي:

العقد لا يستطيع أن يخلق اختصاصًا قضائيًا غير موجود أصلًا.

وهذه هي أهم رسالة عملية في هذا الحكم بالنسبة للمحامين والمستشارين القانونيين عند صياغة العقود:

لا يكفي أن تسأل: "ماذا اتفق الطرفان على كتابته في العقد؟"

بل يجب أن تسأل أولًا:

"هل القانون يسمح لهما أصلًا بالاتفاق على ذلك؟"

فإذا كان الأمر متعلقًا بالاختصاص الولائي، فإن القانون يعلو على اتفاق الأطراف.

بيانات الحكم

الجهة القضائية:
هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية

رقم الطلب:
الطلب رقم 5 لسنة 2023 – هيئة توحيد المبادئ القضائية الاتحادية والمحلية

تاريخ الجلسة:
18 يناير 2023

مشاركة مميزه

لو عاوز تحفظ حقك وتؤجر شقتك وانته مطمن وتقدر تطرد المستأجر فى اى وقت من غير قضية لازم تعمل الاجراء ده ؟

                 بسم الله الرحمن الرحيم             ( مستشارك القانونى محمود عبدالرحمن ) موقع قانونى   نجيب فيه على الاسئلة القانونية الت...